الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١١٨وإنّما أراد القراءة ولم يُرد نسيان نفس القرآن، لأنّه قد ذكر بعضهم أنّ النّاسي للقرآن هو التّارك للعمل به وإن كان يقرؤه ظاهرًا، وقيل إذا نسيه بمرض ألاّ يكون عليه شيء، وقيل إذا كان يعمل به ألاّ يكون له ناسيًا ولو كان لا يحفظه منظومًا، وقيل في كلّ ما لم يُفرَض عليه العمل
به أن لا يؤاخذ بنسيانه، والله أعلم وأحكم.
فصل
في العمل
اِعلم أنّ العلم والعمل توأمان، لا ينفع عِلم بغير عمل، ولا يُقبل عمل بغير علم، كما قيل عن عيسى - عليه السلام - قال: «من علم وعمل فذلك الذي يُدعى عظيمًا في ملكوت السّموات، ومَن علِم ولم يعمل فذلك الذي يضاعف له العذاب ضعفين، ومن لم يعلم ولم يعمل فذلك الذي يموت موتة جاهليّة».
واعلم أنّ العِلم عِلمان:
علم باللّسان وعلم بالجَنان، فأمّا العلم باللّسان فذلك حُجّة اللهِ على ابن آدم، وأمّا العلم بالجَنان فذلك هو العلم النّافع كما ورَدَ به الحديث، ولهذا قال بعض العلماء: ليس العلم بكثرة الرّواية، ولكن العلم نورٌ يجعله اللهُ في قلب من يشاء، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشّورى: 52].
واعلم أنّ العلم النّافع نوعان، أحدهما: العلم بامتثال الفرائض، والتقرّب بها إلى الله تعالى، واجتناب المعاصي كلّها خوفًا من عقاب الله تعالى؛ والثّاني: ما ازداد العبدُ به حُبًّا لله وطاعته، وخلُص به إيمانه واشتدّ به يقينه، وما سِوى هذا فليُنزله العبدُ من جهله فإنّه فتنة لكلّ مفتون، والله أعلم.
مسألة: ولا يصحّ عمل الفرائض إلاّ بمعرفة أدائها، والعلم بامتثالها،