الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٢٠بالعمل بعد فهم حقيقة الصّدق والإخلاص، اللذين هما وسيلتا العبدِ إلى النّجاة والخلاص يوم الأخذ بالنّواصي.
اِعلم أنّ النيّة إنّما تؤثّر في الطّاعات والمباحات دون المعاصي والسيّئات، أمّا أعمال الطّاعات فإنّه يجب على العبد أن ينوي في كلّ عمل منها أن يمتثله عبادة لله تعالى وتقرّبًا به إليه،
فحقيقة النيّة في الطّاعة: اِنبعاث القلب والتحرّي إلى مرضاة الرّب، فنيّة المؤمن خير من عمله كما جاء في الحديث، ومعناه -والله أعلم-: اِعلم أنّ النيّة في نفسها خير من الأعمال إذا كانت لا تصحّ إلاّ بها، ونيّة المؤمن اعتقاده طاعة الله ولو عاش ألف سنة، وإن مات دونها انقطع عمله ولم تنقطع نيّته،
فإن نوى بالطّاعة رياءً وسمعة انقلبت معصيّة، والله أعلم.
والمباحات تنقلب طاعة بالنيّة، فلا ينبغي للعاقل أن يتعاطى أفعالَه تعاطي البهائم المهمَلَة فتصدُرُ أفعاله عنه بسهو وغفلة، فأغلب حظوظ النّفس من المباح، كالأكل والنّوم والنّكاح، فينوي في الأكل التقويّ للجسم على العبادة، وينوي في النّوم استراح الجسم لينشط للقراءة والعبادة، وينوي بالنّكاح تحصين الفرج وإحراز الدّين وطلب الولد لعبادة الله تعالى وتكثيرًا لأمّة محمّد - عليه السلام -،
فينبغي للعاقل المريد للآخرة أن يقيس جميع أفعال المباح على هذه الثلاثة المذكورة، ويحسن النية في جميعها حتى تصير طاعة لله تعالى و عبادة.
و أما المعاصي فلا تؤثّر فيها النية، ولا تنقلب بها لله تعالى قربة وطاعة، مثل أن يغتاب إنسانا تطييبا لقلب مسلم، أو يطعم فقيرا من مال غيره طلَبا للأجر، فهذا كلّه جهالة و اغترار، لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «إنّما الأعمال بالنيّات»، فالنيّة لا تؤثّر في إخراج الفعل عن كونه ظلمًا ومعصيّة، بل قَصْدُهُ الخيرَ بالشرّ على