الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٢٥يُلجئ العبدُ أمورَهُ التي يرجوها ويخافها إلى الله تعالى، ويستسلمَ له قبل وُقوع الحكم، فإذا وقعَ رضي به كأنّه يريده، فيتبعُ أوامرَه بالاِمتثال وزاجرَه بالكفّ والاِنتهاء، وليس له مع اللهِ - عز وجل - خِيارٌ في جميع مقاديره من الأوامر والنّواهي وجميع الأحكام، فإذا كان العبدُ بهذه المنزلة كان مستسلِمًا مُسلِمًا لله سبحانه.
مسألة في الرّضى: وهو أيضًا قريب من الاِستسلام، ومعناه أن يرض العبدُ بأوامر الله تعالى فيمتثلها، وبنواهيه فيجتنبها، وبما قدّر عليه من الأمراض والمصائب فيرضى بها ولا يسخطها، بل يصبر على ذلك محتسِبًا فيه الأجر والثّواب، لأنّ ذلك عدْلٌ من الله وصواب، وإن لم يرض بجميع ما ذكرناه وسخِطَه، أو جوَّرَ اللهَ تعالى في فِعله ذلك فقد هلَكَ وبطل أجرُه.
وأمّا المتصوّفة فالرّاضي عندهم: هو المحبّ لما يغشاه من قِبَل اللهِ - عز وجل -، من أمرٍ ونهيٍ وحادِثٍ محبوبًا كان أو مكروهًا، وليس الرّاضي عندهم راضيًا حتّى يحبّ جميع ذلك ويُؤْثِره على ما سِواه، ويكون في جرَيان المقادير عليه من قِبَل اللهِ - عز وجل - كالميّت بين يدي الغاسل،
وليس الذي قالوه من ذلك ببعيد، وقد قال النّبيء - عليه السلام - لابن عبّاس - رضي الله عنه -: «يا ابن عبّاس: اِعمل على الرّضى واليقين وإلاّ ففي الصّبر على ما تكرهه خير كثير»، يريد -والله أعلم- أنّ العبدَ إذا لم يجد في نفسه سرورًا في عمل الطّاعة وترك المعصيّة فليحمِل نفسه على الصّبر في ذلك، فإنّ فيه خيرًا كثيرًا، وإن كان منزلة الصّابر دون منزلة الرّاضي، والله أعلم.