قواعد الإسلام (تحقيق عبدالرحمن بكلي) إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٢٦

مسألة في التّوكّل: وهو فرض واجب على العبد، قال اللهُ سبحانه: ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّومِنِينَ﴾ [المائدة: 23]، ومعنى التوكّل: سكونُ القلبِ في ضمان الرّبّ، والطّمأنينة بما عند اللهِ دون غيره في جميع المواهب والإحسان من نِعم الدّنيا والآخرة.

اِعلم أنّ الجاهلَ قد يظنّ أنّ معنى التوكّل: ترك الكسب بالبدن والتّدبير بالقلب، والسّقوط على الأرض كالخِرقة المُلْقاة،

وكاللّحم على الوضم، وهذا ظنّ الجاهل، فإنّ ذلك حرام في الشّرع، لأنّه قد أثنى على المتوكّلين، فكيف يُنالُ مقامٌ من مقامات الدين بمحظوراته، بل نكشف الغطاء عنه ونقول: إنّما يظهر تأثير التوكّل في حركة العبدِ وسعيه بعمله إلى مقاصده، إمّا أن يكون لجلب نافع مفقود بالكسب، أو لحفظ موجودٍ عنده بالادّخار، أو لدفع ضارّ لم ينزل به كاللّصّ والسِّباع، أو لإزالة ضارّ قد نزل به كالتّداوي من المرض، فمقصود حركات العبدِ لا تعدو هذه الوجوه؛ أمّا جلْبُ نافعٍ فيكون على ثلاثة أوجه، أحدها: مقطوع به مثل الأسباب التي ارتبطت المسبّبات بها بتقدير اللهِ اِرتباطًا مطّرِدًا لا يختلف، مثل الطّعام الموضوع بين يدي الجائع المحتاج إليه فلا يمدّ إليه اليدَ فيقول: إنّي متوكّل وشرط التوكّل ترك السّعي، ومَدُّ اليدِ سعيٌ وحَرَكة،

وكذلك مضغه بالأسنان، فهذا جُنون وليس من التوكّل في شيء، فإنّه إن انتظر أن يخلق اللهُ فيه شَبَعًا دون أكل الخبزِ، ودون أن يتحرّك إليه، أو يسخّر ملَكًا يمضغه له، فقد جهل سُنّة الله تعالى في البلاد والعباد، وكان كمَن طمع في الزّرع بغير بَذْرِ ولا حرثٍ، وطمع في الولَد بغيرِ جِماع زوجته - كمريم ابنة عِمران-، وأمثال هذا ممّا يكثُرُ، فليس التوكّل في هذا المقام بالعمل

١٢٦ / ٦٧٣