الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٢٧بل بالحال والعِلم، أمّا العلم: فهو أن يعلم أنّ اللهَ تعالى خالِقُ الطّعام واليدِ، وأنّه الذي يُطعمه ويسقيه، وأمّا الحال: فيكون سُكونه واعتماده على فضل اللهِ تعالى، لا على اليد والطّعام إذ تجفّ اليدُ ويُسلبُ الطّعام في الحال، وإذا كان حالُه هكذا وعلمه فليمُدَّ إليه اليدَ فإنّه متوكّل. الوجه الثّاني: الأسباب التي ليست متعيّنة، لكن الغالب أنّ المسبَّب لا يحصُلُ دونها، كالذي يسافر في البادية بغير زاد، فهذا متوكل بشرطين، أحدهما: أن يكون قد رَاضَ نفسه على الصّبر على الطّعام أسبوعًا أو ما قارَبَه، والثّاني: أن يكون بحيث يتقوّت بالحشيش والأشياء الخسيسة؛ فبين الوجهين فرْقٌ، لأنّه في هذا الوجه يُحتمَلُ أن يجد طعامًا، أو ما يُعطى له، أو ينتهي إلى محلّةٍ أو قرية، والوجه الأوّل لا يحتمل أن يترك الطّعام ممضوغًا في فيه فبينهما فرْق، ولكن الثّاني قريب من معنى الأوّل، ولهذا نقول: لو انحاز إلى جبل لا ماء فيه ولا حشيش ولا يطرُقُه
إنسان وجلس فيه متوكّلاً لكان آثمًا ساعيًا في إهلاكِ نفسه، كما روي أنّ زاهدًا فارقَ الأمصار وأقام في جبل سبْعًا وقال: لا أسأل أحدًا، فكاد يموت، فقال: يا ربّ اِئتِني برزقي، فأوحى الله إليه: «وعزّتي وجلالي لا رزقتك حتّى تدخلَ الأمصار»، فدخل فجاءه هذا بطعام وهذا بشراب فأوجس في نفسه من ذلك، فأوحى اللهُ إليه: «أَرَدْتَ أن تذهِب حِكمتي بزهدك، أما علِمتَ أنّي أرزق عبدي بأيدي عبادي أحبُّ إليّ أن أرزقه بيد قدرتي»، فإذًا التّباعُد عن الأسباب كلّها مراغَمَة للحِكمة، وجهلٌ بسُنّة الله تعالى، فالأوّل متوكّلٌ بالحال والعلم، والثّاني متوكّل بالحال والعلم والشّروط إذ يمكن أن يؤخذَ الزّاد من صاحبه فيموتَ جوعًا. الوجه الثّالث: القاعد في مسجد قرية تارِكًا للكسب، فهذا متوكّلٌ ولكنّه أضعف من الأوّل،
لأنّه بالقُعود في المِصر متعرِّض لأسباب الرّزق، ولكن