الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣أكلاً وانتفاعًا، ولُبسًا واستمتاعًا، ليبلوهم أيّهم أحسن عملاً، وأسرعهم إلى طاعته قَبولاً وفِعلاً وامتثالاً، ثمّ ركّب فيهم عقولاً غريزيّة، يتعلّق التّكليف بكمالها، ويتميّز بها الإنسان من سائر الحيوانات على اختلاف أجناسها، جعله الله تعالى أصلاً لشريعته، وجعل أحكام الدّنيا مدبَّرة بواسطته، وألّف به بين الخلق، وساوى بين أهله في التّكليف وأداء الحق،
وجعل ما تعبّدهم به مأخوذًا من واجب عقلي ورَدَ الشّرع بتأكيده، ومسموعًا من خطاب نقليٍّ لا يمنعُ العقلُ من جوازه، ولذلك توجّه الخطاب إلى ذوي الألباب، وبه استوجبوا الثّواب والعقاب، إذ ليس من الحكمة تكليف من انعرى من العقل والتّمييز، كما أنّه ليس من الحكمة تكليف الأصمّ السّمع، وتكليف الأخرس النّطق، وكذلك ليس من الحكمة إهمال العاقل بغير تكليف، لأنّ ذلك يؤدّي إلى إباحة الشّتم له والاِفتراء عليه بما ليس من أهله، فكيف وقد نزّه الجليل جلّ جلاله نفسه عن هذه الصّفة فقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمُ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ الآية [المومنون: 115]، ﴿أيَحْسِبُ الاِنسَانُ أَنْ يُّتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: 36]، أي: مهمَلاً لا يُخاطبُ، ومتروكًا لا يُعاقبُ، فإذا صحّت غريزية العقل من الإنسان توجّه إليه التّكليف والإلزام، ونفذت له وعليه الأحكام، وقد نصب الشّرع لذلك علامات بادية، وحدودًا مُتناهية؛ إحداها: الاِحتلام للذّكور، والمحيض للنّساء بإزائه، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الاَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَاذِنُوا﴾ [النّور: 59]، فأوجب عليهم الاِستئذان ببلوغ الاِحتلام، وأمّا المحيض فلما رُوي أنّ النّبيء