الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٢أمرهم بفعله كالفرائض وما يتعلّق بها، وقسمًا أمرهم بالكفّ عنه، وهو على ثلاثة أقسام: قسم لإحياء نفوسهم كنهيه عن القتل، وأكل الخبائث والسّموم، وشرب الخمور المؤدّية إلى فساد العقل وزواله، وقسم لائتلافهم وإصلاح ذات بينهم، كنهيه عن الغصب والظّلم والشرّ المفضي إلى القطيعة والبغضاء، وقسم لحفظ أنسابهم وتعظيم محارمهم، كنهيه عن الزّنا، ونكاح ذوات المحارم؛ فكانت نعمته فيما حظره عليهم كنعمته فيما أباحه لهم، وتفضّله فيما كفّهم عنه كتفضّله فيما أمرهم به، فهل يجد العاقل في رَوِيَّتِهِ مساغًا أن يقصّر فيما أُمر به وهو نعمة عليه؟ أو يرى فسحة في ارتكاب ما نُهي عنه وهو تفضّل عليه؟ وهل يكون من أنعم عليه بنعمة فأهملها مع شِدّة فاقته إليها إلاّ مذمومًا في العقل مع ما جاء من وعيد الشّرع؟ فتبيّن بما ذكرنا لأهل العقول والبصائر أنّ اللهَ سبحانه ممتنّ على العباد في الدّنيا بسعة الأرزاق، وصحّة العقول والأبدان، وتسخيره لهم ما في الأرض والسّموات، وإيجابه عليهم الفرائض والعبادات، وتحظيره عليهم المحرّمات، وممتنّ على أهل طاعته في الآخرة بالغفران ودخول الجنان، وبالله التّوفيق.
وأمّا الدّلائل: فهي مخلوفات الله تعالى الدّالّة على ربوبيّته ووحدانيته من السّموات والأرض وما فيهما، وما بينهما من الجوهر والعرض، فالعاقل إذا نظر في ذلك بعين البصيرة علِم أنّ اللهَ لم يخلق ذلك عبثًا ولا باطلاً، ولم يترك الإنسان سُدًى ولا مهمَلاً، بل خلق الجنّ والإنس ليمتثلوا أوامره قولاً وفعلاً، وجعل ما على الأرض زينة لها ليبلوّهم أيّهم أحسن عملاً، ومن دلائله على وحدانيته [وربوبيته] الرُّسُل الذين جعلهم للخلق أدلاّء، وأنزل عليهم كتبًا تُتلى، وجعل جميع ذلك دلائل على وحدانيته وربوبيته، وبالله التّوفيق.