الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٤على الآخر»، ومعنى تريص: مُحكَم.
وقال بعض العلماء: إذا احتضر المؤمن فالرّجاء في تلك الحالة أليق به وأحقّ، كما روي عن حذيفة بن اليمان -رحمه الله- حين احتضر أنّه قال: «مرحبًا بزائر جاء على فاقة، لا فرح من ندم، اللهمّ أمرتنا أن نعدل بين الخوف والرّجاء فالآن الرّجاء فيك أمثل»، والخوف والرّجاء فريضتان غير محدودتين، يثبتان في القلب بفرائض غير محدودة، كبرِّ الآباء والنّدم على سوالِف الآثام، وبجهالة كبائر الذّنوب من صغائرها وما أشبه هذا، لأنّه يخاف إن لم يبلغ إلى الحدّ الذي يكون فيه مؤدّيًا لما افترض اللهُ عليه في هذه الفرائض أن يعذّبه على تقصيره فيها، ويرجو أن يكون قد بلغ الحدّ الواجب عليه فيثيبه اللهُ على ذلك في الآخرة، ويثبتان أيضًا بجهل المصير وعاقبة الخاتمة، وبجهل قَبول التّوبة إذا تاب من ذنب اقترفه؛ وفرضهما اللهُ على العباد من غير أن يحدّ لهم في ذلك حدّا يعلمونه، لأنّ ذلك أصلح لهم في الاِجتهاد في الطّاعة والاِنزجار عن المعصية، ولهما حدّ يعلمه اللهُ تعالى إذا بلغه العبدُ رضي الله عليه عند أداء ما عليه؛ وهما من أفعال العباد يتفاضلون فيهما، فبعض النّاس أعظم خوفًا من بعض، والأنبياء عليهم السّلام خائفون اللهَ تعالى خوف عقاب، ألا ترى إلى إبراهيم - عليه السلام - حين قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الاَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35]، وراجون الله تعالى رجاء ثوابٍ، كما قال الله تعالى حكاية عن خليله - عليه السلام -: ﴿وَالذِي أَطْمَعُ أَنّ يَّغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ الآية [الشّعراء: 82]، لأنّ الخوف والرّجاء من أفاعيل العباد استعبدهم اللهُ تعالى بفعلها، كما استعبدهم بالصّلاة والصّوم، وسائر الفرائض، والله أعلم.