منهج الطالبين وبلاغ الراغبين خميس بن سعيد بن علي الشقصي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١١٨

صفحا مكتوبة، وألواحا؛ فكان ذلك حجة عليهم ولهم على قومهم، وقام ذلك مقام الخبر فيما قطع به عذر من جهله، وهدى الله برحمته من قبله.

كما كان الوحي خبرا بغير كتاب حجة؛ بل قد احتج المشركون على النبي (- صلى الله عليه وسلم -)، ولم يكن لهم بتلك حجة؛ ولكن، لما جاءهم بما لم يأت به الرسل من قبله إلا مما شاء الله؛ فقال [وا]: " لَن نُّؤْمِنَ لَكَ – وهم أهل الكتاب – حتى تنزل علينا كتابا من السماء؛ فأوحي الله تبارك وتعالي إليه أن يصبر؛ فقد سألوا موسى أكبر من ذلك؛ فقال الله: "" ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ".

فما وجد في الأثر من حق – كان أقوى حجة من الخير، لأن الأثر؛ إذا صح صح بالإجماع عليه، فوجدنا الله قد قطع العذر بالكتاب؛ كما قطعه بالوحي، وهدي بالكتاب كما هدي بالوحي. ومن ذلك ما صح من كتاب الله تبارك وتعالي: أنه قد انقطعت حجة بلقيس وقومها بما ورد عليهم من كتاب في منقار طائر، أو في عنقه؛ إلا أنه هو الموصل له، والملقي له إليهم، وما صح من سليمان (صلوات الله عليه) في كتابه لهم: " إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنِّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ "؛ فكان ذلك حجة عليهم من سليمان (عليه السلام)، وقطعا لعذرهم.

ومن ذلك: قوله الله مخبرا عن سليمان، أنه قال: " يَا أَيُّهَا المَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ "؟؛ فكان هذا دليلا على أنه قد استحل غنيمة العرش؛ بقيام الحجة، وقطع العذر بكتاب الطائر.