الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٧٣والحلال الذي أحله الله، والحرام الذي حرمه الله: فإذا اختلف فيه الفقهاء، فقال واحد: هذا حلال، وقال آخر: هذا حرام من الله، أو قال واحد: هذا كفر، وقال آخر: هذا إيمان – فإن هذا الاختلاف يوقع البراءة بينهم، ويقطع ولاية بعضهم من بعض، ولا تحل ولاية المختلفين جميعا على هذه الجهة.
فمن جمعهم في الولاية على هذا هلك، وعند هذا يحب: تكليف العالم على الجاهل؛ إذا قامت عليه الحجة بالحق في ذلك [و] لزمه قبوله، وتحرم عليه ولاية المخطئ، من هذين المختلفين في دين الله.
فإذا قامت عليه الحجة بهلاك المخطئ، وإيمان المصيب لزمه قبولها؛ فإن ردها يجهل هلك، وصار بمنزلة من جهل ما كلفه الله علمه من الجاهلين.
وقال محمد بن إبراهيم الكندي (رحمه الله) وحجة الله لا تكون حجة في دينه؛ حتى تكون محقة في سرها، وجهرها، وذلك: مثل العالم الذي قد شهر فضله، وعدله، واستقامته، وعلمه؛ فإنه إذا أفتي فيما يسع جهله عند من علم منه هذه الشواهد كان حجة عليه في أكثر القول؛ إذا وافق الحق في فتياه، وإن خالف الحق فلا يكون حجة في ذلك، ولا مستقيما، ولا مهتديا بالحق؛ بل هو كاذب سفيه ضال، منافق جاهل؛ يشهد على كذبه، وباطله كتاب الله وسنة رسوله (- صلى الله عليه وسلم -)، والعلماء بدينه. ولولا ذلك كذلك لبطل دين الله، ولكان لله أديان شتي، ولكان كل من قلد عالما في الدين: كان بتقليده سالما، بل حلال الله حلال؛ إلى أن تقوم الساعة، وحرام الله حرام إلى أن تقوم الساعة.