منهج الطالبين وبلاغ الراغبين خميس بن سعيد بن علي الشقصي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٤٦

وأما قوله: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ " فقد أمر عباده المؤمنين أن يقوموا بالقسط في السراء، والضراء، على الأولياء، والأقرباء، والأنفس، والآباء، فجري حكم القسط عليهم، ولم يرخص في ذلك لأحد من العالمين.

وأيضا؛ فإنه جعل القيام بالقسط فرضا يجب على الكفاية، ولم يوجبه على الخاصة دون العامة، لأنه تعالي دعاهم باسم المؤمنين، والمؤمنون يدخل فيهم الحكام، وغير الحكام، ولم يجب لأحد من أهل الإسلام أن يري مقاما لله فيه مقال لبدعة اتكالا على غيره، والله أعلم.

ولم يجعل الأمر في تسمية القسط في الدين مردودا إلى الاجتهاد من المتعبدين وتختلف فيه آراؤهم، وتتحكم فيه أهواؤهم، فما رأوه حسنا في عقولهم فعلوه، وما رأوه قبيحا في أنفسهم اجتنبوه؛ بل دعاهم إلى فعله ما ارتضاه لهم حسن أم قبيح عندهم، فقال عز وجل: " إِن يَكُنْ غَنِياًّ أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الهَوَى أَن تَعْدِلُوا "، وقوله تعالي: " فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ " لم يكن أمرا منهم له بقتلهم؛ فيكونوا قد أعانوا على قتل أنفسهم، ويستحق به فرعون مدحا، إذ سارع إلى طاعتهم؛ بل كان هذا القول منهم تسليما للقضاء، وقنوعا بما أعده الله لهم من الجزاء. ومثل هذا مشهور في كل العرب.