الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٦٧واختلفوا أيضا من وجه آخر. فقال قوم: لا ينسخ القرآن إلا بقرآن مثله، واحتجوا بقول الله تبارك وتعالي: " مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا " ولا يكون ما ليس بقرآن خيرا من القرآن.
وقال آخرون: بل السنة ننسخ القرآن، والقرآن لا ننسخ السنة، وقال آخرون: إذا كانت السنة بأمر من الله من طريق الوحي، وإن لم يكن ما أوحي به فيها قرآنا، فإنها ننسخ القرآن، وإذا كانت على طريق الاجتهاد، والرأي؛ فإنها لا ننسخ [القرآن]، بل لم يكن للنبي (صلي الله عليه وسلم) ليجتهد في أمر محكم بخلاف ما في القرآن، بل للأمر حكم الاجتهاد، وفيها منه حكم متعين.
قالوا: والقرآن ينسخ السنة عن أمر الله، أو باحتها من رسول الله (صلي الله عليه وسلم) وهذا التفسير من السنة؛ إنما يحتاج إليه من يجيز الاجتهاد، ويجيزه للنبي (صلي الله عليه وسلم)، وأما من أبي ذلك؛ فإن السنة لا تكون عنده إلا بأمر الله، والسنة عنده ننسخ القرآن، والقرآن بنسخ السنة. والنظر يوجب أن القرآن، والسنة حكمان لله بنسخ كل واحد منهما الأخر.
ويدل على ذلك، قول الله عز وجل: " وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا "، وقال: " وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى " فأخبر جل ذكر: إن الكل من عنده، وبأمره. واختلفوا أيضا من وجه آخر؛ فزعم قوم أن الآيتين؛ إذا أوجبتا حكمين مختلفين، فكانت إحداهما متقدمة؛ فالتأخرة ناسخة للأولي. كقوله جل ذكره: " كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ "