منهج الطالبين وبلاغ الراغبين خميس بن سعيد بن علي الشقصي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٧١

فصل:

والذي عليه أكثر أصحابنا: أن القرآن ينسخ بالقرآن، وينسخ بالسنة، كما أن السنة تنسخ بالسنة، وقد وجدت لبعض أصحابنا: أن السنة لا تنسخ القرآن، ولعل هذا مذهب بعض البصريين.

وحجة هؤلاء: أن القرآن لا يعلم نسخه إلا بخبر من الله أو الرسول عليه الصلاة والسلام، أو بإجماع الأمة على ذلك، أو تقوم دلالته في نفس الحجاب، ولم تقم الدلالة من هذه الوجوه، وقال الله تعالي: " مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ".

والسنة ليست كالقرآن في نفسه، والسنة وإن كانت حكما من الله تعالي: فليست مثله؛ فالقرآن في نفسه معجزة. قال الله جل ذكره: " قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً " والسنة ليست بمعجزة بنفسها؛ فإذا لم تكن مثل القرآن إلا من طريق الحكم لم يجز أن تنسخ القرآن.

وأما الحجة لمن أجاز نسخ القرآن بالسنة فقالوا: إن القرآن حكم الله جل ذكره والسنة حكم الله أحدهما الآخر، واحتجوا بقول الله جل ذكره: " وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى " والكتاب دال على أنه مخبر عن الله تعالي، فهو ينسخ أحكامه بعضها ببعض مرة بالكتاب، ومرة بالسنة على لسان نبيه عليه السلام، والله أعلم بالأعدل من الأقوال.