الجزء الثامن
الجزء ٨ · صفحة ١٤وعرفنا من قول المسلمين أنه يجب إنكار المنكر، على من شهد ذلك من قائله أو فاعله أو راكبه، مع القدرة عليه، والمكنة منه على كل أحد بقدر طاقته، وذلك على سبيل الإجماع، أن من قدر على الإنكار فلم يفعل، كان بذلك هالكا، ولفاعله مشاركا. وإن أنكر عليه سلم من الهلاك، ومن مشاركته في تلك المعصية، ويكون ذلك بعد اجتناب المنكر، لأنه لا يجوز لأحدأن يأمر بالمعروف وهو تاركه، أو ينهي عن المنكر وهو يعمله. كما روي عن أبي بكر رضي الله عنه: أنه قال: لعن(1) الله الآمرين بالمعروف التاركين له، الناهي عن المنكر الراكبين له.
وواجب إنكار المنكرين على كل مسلم، وأشد فرضه على من قطع على نفسه الشراء، مجاهدا في سبيل الله، وعلى من عرف أن المنكر منكر على أهله، إلا أن تجئ حالة تجوز فيها التقية، فعند التقية معذور في بعض القول.
ومن وجد أحدا يعمل منكرا، وكان يتقيه. وقال: أرسلني إليك فلان يريد بذلك رفع المنكر، فجائز له ذلك إذا أراد به رفع المنكر ولو لم يرسله فلان.
(1) هذا من باب التشديد على العالم غير العامل. كما روي الضياء عن جبلة: ويل لمن لا يعلم واحد من الويل. وويل لمن يعلم ولا يعمل سبع من الويل. وليس في هذا عذر عن الأمر والنهي. وبيان ذلك: أن العمل فرض، والأمر والنهي فرض آخر، وكلاهما مسئول عنهما. فقد روي الطبراني في الأوسط عن أنس: مروا بالمعروف وإن لم تفعلوه، وانهوا عن المنكر وإن لم تجتنبوه كله، فالمعاصي التارك للأمر والنهي معاقب عقابين. والآمر الناهي وهو عاص، معاقب على المعصية فقط. هذا هو الفرق. والله أعلم.