الجزء الثامن
الجزء ٨ · صفحة ٢٩وينظر الوالي في قدر الحدث والمحدث، لأن الناس مختلفون في الأقدار وفي الأعمال. فمنهم من تجري منه الذلة على سبيل الغفلة، وعلى سبيل الغلط. وهو معروف منه الأعمال الصالحات مع اجتناب المحرمات، ويهفو في بعض الحين فهذا أهون عقوبة، وأجرد بالعفو والصفح.
ومنهم من ينتهك المحرمات جهرة، ولا يجتنب الكبائر، ولا يبالي بالصغائر يعرف منه ذلك، فإنه يشدد عليه في الحبس والنكال.
فإن عرض التوبة والرجوع عما كان عليه من الجهل. وأوجب النظر في الحال العفو عنه، فلا بأس بإطلاقه.
فإن عاد إلى الذنب بعد الحبس والتوبة، ورأى منه الرجوع إلى ما كان عليه، من الجهل والتجاهل وانتهاك المحارم، كان أشد عقوبة وأطول حبسا وأحزم استيثاقا. وقد قال الله تعالى: " ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام ".
ومنه ما كان على سبيل الحفظ لمال الغرماء، ممن صح لهم عليه الدين، ويخاف منه التلدد والتواري من الغرماء. فهؤلاء يحبسون حتى يؤدوا الحقوق التي وجبت عليهم. وليس بالحبس الطويل والشديد، إلا على سبيل الإنصاف منهم لخصومهم.
فإن تماجنوا وتهاوزوا، وعرف منهم التجاهل والاستحقاق بحقوق الناس وأمر المسلمين، شدد عليهم حتى يؤدوا الواجب عليهم.
ومواضع الحبس تختلف باختلاف الجنايات، على قدر ما يرى الحاكم من العدل