الجزء الثامن
الجزء ٨ · صفحة ٦٧الفرات لخفت أن أحاسب عليه، فهذا الاهتمام العظيم مع ما هم فيه من الدرجة العليا والغاية القصوى.
ولا يجوز للإمام أن يحتجب عن رعيته في من وقت لا بد له منه؛ لقوله صلي الله عليه وسلم(1) من ولاه الله شيئا من أمور المسلمين، فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم إليه، وفقرهم، حجبه الله عن حاجته وفقره يوم القيامة.
وعلى الإمام أن يتعاهد رعيته، ولا يغفل عنهم، فإذا بلغنا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه كان يولي الأمناء، ويجعل عليهم عيونا وعلى العيون عيونا.
فإن لم يفعل الإمام ذلك، فهو مقصر خسيس المنزلة، ولا يبلغ به ذلك إلى خروج من الولاية، مالم ير في رعيته جورا من باطل، أو منكرا ولا ينكره ولا يغيره على ما بينت لك، فإذا صح ذلك معه، لم يصح إلا تغيير ذلك.
ومن حسن أخلاقه أن يعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم، ويفتح لهم بابه، ويباشر أمرهم بنفسه، فإنه رجل منهم، غير أنه أثقل منهم حملا.
ومن كلام عمر رضي الله عنه أنه قال: إني لم أبعث عاملا من العمال إلى من بعثته إليهم، ليضربوا أستارهم دونهم، ولا يشيعوا أعراضهم، ولا ليأخذوا أموالهم، ولا ليحتجبوا عنهم، وإنما بعنتهم اليهم ليجمعوا فيئهم، ويقتلوا عنهم عدوهم، ويكفوا عنهم ظلمهم، ويعلموا كتاب ربهم وسنة نبيهم، ويبينوا لهم طريقهم، ويأخذوا منهم صدقات أموالهم من أغنيائهم ويردوها في فقرائهم، وأن يرفقوا بأهل ذمتهم، ولا يكلفوهم غير طاقتهم.
(1) أخرجه الترمذي وأبو داود عن ابتن أبي مريم