الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٥٥خلقه مشيئتين، وإرادتين، ومعني المشيئة. والإرادة- واحدة، وهما اسمان تضمنهما معني واحد؛ أحدهما مشيئة الأمر الذي أرسل به الرسل، وهدي به السبل، والمشيئة
الأخرى- مشيئة في خلق الخلق، وقسم الأرزاق، وما أراد في إنقاذ ما قد سبق عنده في علمه من الأمور، وما به الخلق عاملون، وإليه صائرون.
ولو كانت المشيئة من أمر الله- تعالي- واحدة، كما قالت القدرية، لم يختلف علي الله فيما أراد من الخلق، كما لم تختلف إرادته في خلق السموات والأرض، وغير ذلك، ولكان العباد فيما أمرهم به مطيعين؛ كما أطاعته السموات، والأرض؛ إذ أجابتا حين قال للسموات والأرض" ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ".
فلو كانت إرادته فيما أمر من الطاعة مثل إرادته فيما أمر من خلق الخلق- لكان الذين قال لهم: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ- لا يكون إلا كما أراد منهم- كما زعموا- لأنه لم يرد منهم غير الطاعة، ولكان الذين قال لهم: كونوا مع الصادقين- لا يكونون أبدا إلا مع الصادقين لأن أهل القدر زعموا أن الله لم يرد في العباد، ولا للعباد إلا إرادة واحدة، وهي إرادة الإيمان، ولو كان ذلك كذلك لكان كل من قال لهم: كونوا كذا وكذا: كانوا يكونون كما قال لهم، فالله تعالي- لم يعص بعسر، ولا استكراه، ولا بغلبة، ولكن إرادته نفذت في كل ما أراد وكما أراد، وكذلك وصف نفسه فقال: " إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".