الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٨٣واختلف الناس فيهم؛ فقال قوم: هم مشركون خالف قولهم اعتقادهم، وقال آخرون: قولهم خالف أفعالهم، والأصل في هذا. قوله تعالي: " فَمَا لَكُمْ فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ " الآية.
وذلك أن أصحاب رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) اختلفوا، فقال بعضهم: القول على حقيقة ما أتم عليه، وهم إخواننا، وإنما ثقل عليهم أمر الهجرة، والخروج من الوطن – فهم مسلمون مؤمنون، وقال آخرون: بل هم مشركون لتخلفهم عن الهجرة، ولقعودهم بني ظهرانى قوم مشركين، فأنزل الله – عز وجل -: " فَمَا لَكُمْ فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا " فأخبر أنهم ليسوا بمشركين ولا مؤمنين، ولكنهم منافقون.
وأخبر أنه أركسهم بما كسبوا، ورد على من سماهم مؤمنين، أو مشركين، وسماهم – تعالي – منافقين، ثم عاتب المؤمنين فيهم، فقال: " أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ " الآية، فوقع العتاب هاهنا على من سماهم مؤمنين.
ثم قال: " وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً "، وإنما مودتهم، أن يترك المؤمنون الهجرة كما تركوها هم، فيكفرون كما كفروا.
ثم قال: " فَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ " فقد انقطعت الولاية بين المؤمنين والكفار، حتى يهاجروا في سبيل الله.
ثم قال: " فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوَهُمْ وَاقْتُلُوَهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوَهُمْ " الآية فصح أنهم قبل التولي- لم يصدر منهم فعل يكونون به منافقين، وترك الهجرة، وإن وقع التولي، وهذا الارتداد، وكان لهم حكم آخر، وهو القتل.
فمن أثبت النفاق في الأفعال لمخالفتها الأقوال فهو أقرب إلي الحجة والمحجة؛ إن شاء الله؛ لأنهم استدلوا بظاهر الآية، وقضوا بأن النفاق في الأفعال،