الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٨٤واستدل من شركهم، بقوله تعالي:" وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ"إلي قوله: " فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ" الآية. قالوا: فلما أخبر عن الوعد باللسان، وأعقب النفاق في القلب- علمنا إنما سلبهم الإيمان الذي يكون في القلب عقوبة، ولن يستقيم النفاق والإيمان في قلب واحد. وقال آخرون: قد يصح ذلك، ويقاوم إيمان القلب، فإن هذا النفاق دغل وغش في قلوبهم إلي المؤمنين.
والذين قضوا بأن النفاق في الضمير يفسقون؛ لأنهم لا يصلون الاعتقادات إلا بنصوص الشارع، والذين قضوا بهذا قد أبعدوا عن أنفسهم أسباب الشرك؛ لكنهم هدموا قاعدة الخوف، وسهلوا الطريق إلي الجنة، والذين قالوا: إنه في الأفعال عظموا أسباب المخاوف؛ فهم أحزم، وهو الصحيح- إن شاء الله تعالي، ولا يستحيل تصرفه في الوجهين جميعا، والاحتجاج في هذا يطول- تركته.
وقد جاء الحديث بذكر النفاق في الأقوال والأفعال؛ كما قال (عليه السلام):(1) "أربع من كن فيه فهو منافق حقا، وإن صلي، وإن صام، وزعم أنه مسلم: من إذا حدث كذب، وإن اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر. وقال (عليه السلام):(2) "أكثر منافقي هذه الأمة قراؤها"، وفي حديث حذيفة بن اليماني قال: كان الرجل في عهد رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) يتكلم بكلمة يصير بها منافقا، وإني لأسمعها من أحدكم في اليوم عشر مرات. قيل له:
(1) رواه البخاري ومسلم، وأبو داود، وأحمد، والبيهقي عن أبن عمر بألفاظ مختلفة./
(2) رواه أحمد والطبراني، والبيهقي عن ابن عمر ورواه أحمد والطبراني من عقبة ابن عامر، وأخرجه الطبراني وابن عدي عن عصمة بن/ مالك م.