الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٧٩وكل قلب اجتمع فيه ثلاثة معان لم تفارقه خواطر اليقين، ولكن تضعف الخواطر وتخفي لضعف المعاني ودقها، ويقوي اليقين وتظهر قوتها، لأن هذه الثلاثة مكان اليقين، أحدها الإيمان وموعضه من اليقين مكان حجر النار، والثاني العلم ومكانه موضع الزيادة ن والثالث العقل وهو مكان الضياء والاقتباس، فغذا اجتمعت هذه الأسباب قدح خاطر اليقين في القلب، ومثل القلب في قوته بقوة مدده كالمصباح في القنديل، فالماء مكان العقل، والزيت مكان العلم، وهو روح المصباح، وبمدده يكون ظهور اليقين، والفتيلة مكان الإيمان منه، وهي أصله وقوامه الذي يظهر بما فعلى قدر قوة الفتيلة وجودة جوهرها يقوى اليقين.
ومثل الإيمان في قوته بالورع وكماله بالخوف، وعلى قدر صفاء الزيت ورقته واتساعه تضي النار التي هي اليقين، ومثل العلم في مدد الزهد وفقد الهوى فصار العلم مكانا للتوحيد، فتمكن الموحد في التوحيد على قدر المكان، وقد قال الله تعالى: " فاعلم أنه لا غله إلا الله ". وقال: " فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو "، فقدم العلم على التوحيد، فصار أوله، فكلما اتسع القلب بالعلم بالله تعالى وزهد في الدنيا ازداد إيمانا وعلا، لأنه يرى في علوه ما لا يراه غيره، ويعلم في اتساه مالا يعلمه سواه فيكون بذلك زيادة في إيمانه، ثم يشهد كلما آمن به، فيكون بذلك قوة يقينه وسعة مشاهدته، فكلما قصر علم القلب بالله تعالى وبمعاني صفاته وأحكامه ملكوته قل إيمان هذا العبد ثم شهد ما آمن به من وراء حجاب لما غلب عليه من حب الأسباب وسمع الكلام من خلف ستر لعجزه من المسارعة إلى الأمر فيضعف بذلك إيمانه وتقل مشاهدته.