الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٩٢يقال إن الله تعالى وكل بقلب ابن آدم ملكا يدعو إلى الخير يقال لهم الملهم، وللدعوته إلهام، وسلط في مقابله شيطانا يدعو إلى الشر، يقال له وسواس، ولدعوته وسوسة، فامللهم لايدعو إلى الخير، والوسواس لايدعواإلى الشر في قوله أكثر العلماء.
وقيل: إن الشيطان ربما يدعو إلىلخير وقصده في ذلك الشر، فيدعو إلى قليل من الخير فيجر إلىكثير من الشر، فلا يفي الخير بالشر ولا بشيء منه من عجب أو رياء، ومثال ذلك، فالشيطان جاثم على قلب ابن آدم من الجانب الأيسر، والملك جاثم على قلب ابن آدم منالجانب الأيمن، فهما يدعوانه، فللشيطان لمة بابن آدم، وللمك لمة، يعني نزوله بالدعوة من قولهم، لم بالمكان وألم به إذا نزل، ثم ركب الله في خلقه الإنسان طبيعة مائلة إلى الشهوات ونيل اللذات، من حسن أو قبيح، وهو هوى النفس الصارفة إلى الآفات.
فالخواطر آثار تحدث في القلب العبد، تبعثه على الأفعال والترك، وتدعوه إليها، وسميت خواطر لاضطرابها من خطرت الريح إذا حركت الإصان ونحوها، وحدثها جميعا في قلب العبد بالحقيقة من الله سبحانه، فمنها مايحدث الله تعالى في القلب ابتداء فيقال له الخارط فقط، ومنها ما يحدث موافقا لطبع الإنسان فيقال له هوى النفس وينسب إلهيا، ومنها ما يحدث عقيب دعوة الملهم فينسب إليه فيقال له الإلهام، ومنها ما يحدث عقيب دعوة الشيطان فينسب إليه فيقال له الوسوسة.
فالخاطر الذي من قبل الله ابتداء قد يكون بخير إكراما وإلزاما للحجة، وقد يكون بشر امتحانا وتغليظاً للمحنة.