الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣١٧ولا يصرفه الهم ولا السخط، قال الله تعالى " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكمون فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسملوا تسليما ".
ويروي أن الله يقول: من لمي رض بقضائي ويصبر على بلائي ولم يشكر على نعمائي فليتخذ ربا سوائي، وهذا غاية والتهديد لمن لم يرض بحكم الله وقضائيه، وفالرب يقضي والعبد يرضى، فإذا قضى الرب ولم يرض العبد فما هنالك عبودية ولا ربوبية.
وأما الصبر فهو دواء، ولو كان مرا كريها فعاقبته مباركة تجلب كل منفعة وتدفع كل مضرة، فإذا كان الدواء بهذه الصفة فالإنسان العاقل يكره النفس على شربه وتجرعه، ويجبرها عليه لأنه مرارة ساعة وراحة سنة.
والصبر أربعة أوجه: صبر على الطاعة، وصبر على المعصية، وصبر على المحن والمصائب، وصبر عن فضول الدنيا. فمن صبر في هذه المواطن خلصت له الطاعات دينا، وثوابها الجزيل عقبى، وسلم من بليات الدنيا وشغلها وتباعتها، واستراح من الجزع ومقاساته في الدنيا ووزره في العقبى، ومن لم يصبر عن المعصية وقع فيها، ولمن لم يصبر على لاطاعة فاته ثوابها، ومن لمي صبر على المصيبة لم يؤجر علهيا ومن لم يصبر عن الفضول شغل به، ففي ترك الصبر مصيبتان: فوت الشيء وفوت الأجر، وحلول المكروه، وقيل: الحرمان الصبر على المصيبة أشد مصيبة.
وقيل: عزى على بن أبي طالب رجلاً فقال: إن صبر جرت عليك المقادير وأنت مأجور، وإن جزعت جرت عليك المقادير وأنت موزور. فقطع النفس عن العادات الراسخة بالتوكل على الله تعالى، وترك التدبير في الأمور وتفويضها