أثر النظرة التوحيدية للعلوم على التكامل المعرفي لمصطفى بن دريسو
الجزء ١ · صفحة ١١استغل فيبير الدراستين السابقتين واحتمل فيبير أن الأخلاقيات العقلية التي يؤمن بها البروتستانت والتي تتوافق مع وثيقة فرانكلين هي المحفزة على الاستثمار، وهي محرك النظام الرأسمالي وأساسه، ومن ثم عزم على دراسة تأثير الأخلاقيات العقلية على الاقتصاد الرأسمالي.
بدأ فيبير بدراسة دراسة البنية الأخلاقية لمسيرة صاحب المشروع الرأسمالي، الذي يجمع بين شعور حاد نحو العمل الرأسمالي (الادخار، والاستثمار)، وبين التقوى والورع الشديدين (التقشف، والزهد)، وحلل المفاهيم العقدية عند الطائفة البروتستنانية بهدف معرفة الدور الذي تلعبه القيم ذات المبادئ العقلية في النشاط الاقتصادي، فتوصل إلى ما يأتي:
- يرى البروتستانتي الخلاص من خلال نشاط الإنسان مع الحياة، ويحقق ذلك عن طريق التقشف والزهد في صرف المال، مع استثمار فعال للمال، بينما يقتصر مفهوم الخلاص عند الكاثوليك على الانسحاب من الحياة، والتقشف والزهد الرهباني، ولذلك يعتبر العمل عند البروتستانت رسالة تؤدى بإتقان، ووسيلة يتفانى في أدائها للحصول على الخلاص الأخروي.
- أرجع توسع الرأسمالية الحديثة في الاقتصاد إلى تطور الروح الرأسمالية التي هي أخلاقيات عقلية داعية إلى التقشف والاستثمار، وهي نفس الأخلاقيات المتوفرة في معتقد البروتستانتين.
- صحح مفهوم اعتبار التوسع الاقتصادي لأوروبا ناجما عن كثرة الاحتياط النقدي للأفراد أو الدول، وإنما أرجعه إلى توفر علانية عقلية مستمدة من قيم دينية، واستدل على ذلك بأن كل الناس يكسبون احتياطا نقديا بعد عملهم، وقل من يحافظ على ماله ويستثمره، لأن الكثير منهم يقضون على احتياطهم وادخارهم في متع الحياة والإسراف.
- يقول فيبر إن العمل الدؤوب في مهنة ما يمثل أفضل طريق للثقة بالذات، وبثقة الإنسان في ذاته، يحصل على الإيمان، وبالإيمان يرضى باختيار الإله، وبهذا يعد الإنسان مصطفى ويحصل على الخلاص.
لقد مكنت هذه الدراسة العميقة من بيان أثر العقلية الدينية في طبع السلوك الاقتصادي للفرد والدول، ومن الإقرار بأن خصوصية الغرب تكمن في العقلنة في النشاط الاجتماعي، والقانوني، والاقتصادي، والسياسي، والفني. وبأن الأديان الفاعلة والعملية هي التي تنتج عادات، وطبائع، وأنساقا تطبع وجهة الفعل، وهو ما يسمى "بالقيم"، وبأن للحوافز الدينية أثر عميق في عقلنة الحياة، وفي تشجيع العمل الإنتاجي للثروات، وتحولها إلى رأس مال للاستثمار، وحفزت أمثال هذه الدراسات أيضا على تطوير مجالات تعامل الأبحاث السوسيولوجيا مع الظاهرة الاجتماعية، وعلى إعطاء فعالية للقيم والدين في الحياة الاجتماعية بعيدا عن اعتبار الدين من إنتاج المجتمع مثلما أقر به دور كايم، كما غيرت مسار علم الاجتماع من علم لا يعترف بالدين أنه من الله إلى علم يقر بأن الدين من الله وله أثر في حياة الأفراد.