أثر النظرة التوحيدية للعلوم على التكامل المعرفي لمصطفى بن دريسو
الجزء ١ · صفحة ١٢4 - التفاعل المعرفي بين العلوم الإسلامية وعلم الاجتماع:
إيمانا بالنظرة التوحيدية للعلوم أنها تبحث في كون الله الفسيح، وأنها تستنتج ما أودعه الله من قوانين للظواهر الطبيعية والإنسانية والاجتماعية في الكون والحياة، وانطلاقا من تصور وحدة منطلق العلوم التي تكون غايتها إرضاء الله تعالى فإني سأسعى أن أقدم توأمة بين علمين متقاربين في مجالهما المعرفي، هما العلوم الإسلامية وعلم الاجتماع، بعد أن قدمنا قراءة مستفيضة عن تطور نظرة علم الاجتماع إلى الدين، ونتساءل كيف يمكن عقد توأمة بين علم الاجتماع والدراسات الإسلامية؟ وسنقتصر في عرضنا على الآليات المنهجية لعلم الاجتماع التي يمكن أن تستفيد منها العلوم الإسلامية في تحليل مواضيعه؟
يعتمد علم الاجتماع على مجموعة من المناهج في تحليل الظاهرة الاجتماعية مثل: المنهج التجريبي، والمقارن، والوصفي، وهذا الأخير نرى أنه ستفيد منها العلوم الإسلامية كثيرا، حيث أنه يقوم بوصف الظاهرة التي يريد دراستها كما توجد فعلاً بالواقع، ويهتم بوصفها وصفاً دقيقاً، ويعبر عنها تعبيراً كيفيا أو تعبيراً كمياً عن طريق الجمع المعلومات الدقيقة عنها. فمثلا إذا أراد خطيب الجمعة أن يتحدث في موضوع حقوق الجار، فإنه يستعرض أدلة من القرآن ومن سنة الرسول ص على أهمية الموضوع، والمستمع يلتقى هذه المعلومات والتوجيهات ويتأثر أثناء الحديث، لكن لا ينجر عنها سلوك عملي، أو قد لا يفقه ما الذي ينبغي فعله حتى يكون قد أدى حق الجار، لكن لو استطاع هذا الخطيب أن يقوم بدراسة ميدانية عن حي الذي يتواجد فيه المسجد لاستطاع أن يشخص الداء الذي يعاني منه أهل الحي بكل دقة وواقعية، وبتحليل عميق، وقراءة موضوعية لما يستخلصه من الأرقام، ثم يستعرض خطبيته بأدلة من القرآن والسنة، وبتحليل لاستمارة المعلومات ومؤشرات حق الجار، وتأثير المتغير المستقل على التابع، وفق المنهج الوصفي المتعارف عليه في علم الاجتماع.
ولا يخفى الفرق بين عناصر المنهج الوصفي في العلوم الإسلامية وعلم الاجتماع، حيث هذا المنهج في العلوم الإسلامية يندرج ضمنه المنهج الاستدلالي كتعبير وصفي والاستقرائي كتعبير كمي، بينما في علم الاجتماع يعتمد على نفس خطوات المنهج التجريبي التي هي:
الملاحظة: تتبع يفضي إلى طرح تساؤل أساس في ما لوحظ.
الإشكالية: نظرية لم تتوفر على إمكانية صياغتها، ولذلك تطرح كسؤال جوهري في البحث.
الفرضية: تنبؤ قابل للتحقيق، لغرض إثبات صحته أو نفيه. أو هو إجابة محتملة.
التجربة: التأكد من صدق أو كذب الفرضية، عن طريق تغيير الشروط والظروف والعوامل