أثر النظرة التوحيدية للعلوم على التكامل المعرفي لمصطفى بن دريسو
الجزء ١ · صفحة ٨والأعراف] متوافقة مع مشاعري الخاصة، وأنني أشعر داخليا بأنها حقيقية، إلا أن هذه العلاقات لا تكشف عن أنها علاقات موضوعية، لأنني لست أنا الذي صنعتها … ".
استغل الملاحظة السابقة ليعلن أن المجتمع أسبق وجودا من الفرد، وأنه هو الذي يحدد له علاقاته، ويؤثر فيه مباشرة، لذلك لا يمكن إهمال الظاهرة الاجتماعية، وهذا ما مكن دور كايم من تعزيز أهمية المجتمع على سلوك الأفراد، ودعوته إلى التماسك الاجتماعي بين الأفراد داخل المجتمع الحديث، فتساءل:
- ما الشيء الذي يحافظ على الرابطة الاجتماعية بين الأفراد في المجتمع الحديث؟
- هل يمكن الاعتماد على القوانين الوضعية والأخلاق للدعوة إلى التماسك الاجتماعي في المجتمعات الحديثة المتميزة بعقلانية مجردة.
- هل يمكن اعتبار هذه القوانين بديلا عن الدين وأشكاله؟
حاول دور كايم أن يجيب عن هذه الأسئلة وغيرها في كتابه: الأشكال الأولية للحياة الدينية، سنة 1912، متأثرا بأوجست كونت ت: 1857م، الذي أقر أن العلم هو المظهر النهائي للمعرفة الإنسانية، وأن المجتمع الحديث –الأوروبي- في مرحلة علمية وضعية لا ينبغي أن يفسر ظواهره بتفسير لاهوتي، ولا ميتافيزيقي.
وافترض أن الدين يتشكل في أجزاء بسيطة، وأن مشاعر المؤمنين هي التي تعطي الطبيعة المقدسة للدين، وأن الدين هو الشكل الأولي للروح المشتركة بين الأفراد. وللإجابة عن فرضياته أنجز دراسة علمية مختارا مجتمع بحثه من القبائل البدائيين في أستراليا، على الرغم من أنه يعرف أن مظهر الدين عند هذه القبائل يبدو في أشكال غريبة، لكنه برر ذلك بكون معتقدات البدائيين الدينية بسيطة يمكن اكتشاف أجزائها، وأن مظاهر الدين بسيطة لم تتغلغل في البناء الاجتماعي فيصير معقدا، مثلما هو الحال في المجتمعات المركبة.
اعتمد دور كايم في دراسته على "لونج" في كتابه المنشور بلندن سنة 1791، وعلى لويس مورغان في كتابه: المجتمع القديم سنة 1877، الذي تحدث عن الطوطمية، وحدد خصائصها، وأشار إلى شيوعها بين القبائل الهندية في شمال أمريكا ووسطها، وعلى الأمريكي "فريزر" في كتابه "الطوطمية"، و"الغصن الذهبي". وعلى دراسات الباحثَين "بالدوين سبنسر، وغيلين" اللذين درسا عددا من القبائل الأسترالية التي تدين بالطوطمية كعقيدة، مثل قبائل: الأرونتا، واللوريتشا، ويورابُنا.
توصل دوركايم في دراسته إلى بناء فكري "نظرية" حول الطوطم والمجتمع، وهذه أهم نتائجه:
- تتم العلاقات بين الأفراد في المجتمع البدائي على أساس اشتراكهم في الاسم والرمز الطوطمي، وليس على أساس المعاشرة، أو السكنى، أو صلة الدم.