بناء المخ القوي لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٢٠وقد سمّى بعض العلماء هذا الجهاز بالعملاق النائم، لأنّه ثبت من خلال الدراسات التي أجريت في السنوات الأخيرة في مجالات علم النفس والتعليم والأحياء والفسيولوجيا العصبيّة أنّ طاقات العقل تفوق كلّ ما سبق تصوّره في السنوات الماضيّة، حتّى أنّ العبارة التي كان يردّدها العلماء أنّنا لا نستغلّ إلاّ قدرات محدودة جدّاً من طاقات هذا الجهاز أصبحت حقيقة ثابتة.
وكما قال ﴿شكسبير﴾(1) في العقل:
«يا له من قطعة فنّية رائعة ونادرة هذا الإنسان، كم هو نبيل في حكمه، كم هو مطلق في قدراته، في شكله وفي حركاته، كم هو معبّر ومثير للإعجاب في تخزينه واستيعابه، يا له من ملاك في تصرّفه، وفي فهمه، كم هو فائق، إنّه جمال العالم، إنّه ماسّة المخلوقات «.
لقد تقاسم في سنة 2000 العالم الأمريكي ﴿إريك كاندل﴾ جائزة نوبل في الطبّ مع عالمين آخرين، وذلك لاكتشافه كيفيّة تخزين المعلومات في المخّ، فيما يعرف بالذاكرة طويلة الأمد، ولقد بيّن ﴿كاندل﴾ وتلامذته عبر عقود من البحث المضني أنّ المعلومات تخزّن في المخّ كتغيّرات تحدث في التشابكات العصبيّة للخلايا، فعندما نرى شيئا لأوّل مرّة يحدث تنشيط لمنظومة معيّنة من خلايا المخّ، فإذا تكرّرت رؤية الشيء نفسه مرّة أخرى، حدث التنشيط نفسه لمنظومة الخلايا نفسها، فتقوى تشابكاتها، حتّى ليصبح المسّ بأيّ جزء من هذه المنظومة كافيّاً لإثارة المنظومة كلّها، وبهذا نستطيع أن نفسّر آلية عمليّة التذكّر، حيث أنّ تنشيطاً بسيطاً للمخّ يصبح كافيّاً لإيقاظ منظومة الخلايا، فنستعيد ذكرياتنا القديمة.
وفي الحقيقة إنّ المخّ البشري بشكل عام جدير بكلّ هذا الاهتمام، بل يستحقّ أكثر من ذلك، إذ أنّه لغز كبير يستحقّ تكاثف جهود العلماء في مختلف الاختصاصات من أجل حلّ طلاسمه.
(1) شاعر مسرحي إنكليزي يعتبر من رجال الأدب العالمي.