بناء المخ القوي لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ١٩«إنّ ما تقدّم من النظر العقلي والتقليب الفكري يدلّ على أنّه يحدث للجنين قبل ولادته تطوّر ينقله من حال إلى حال مختلفة، ومن طبيعة إلى طبيعة مباينة، ومن حياة مجرّدة عن قوّة الفكر والإرادة إلى حياة مشتملة على مصدر هذه القوّة، وأنّ هذا التطوّر في الجنين لا يحدث إلاّ بعد تخلّق الدماغ، وصيرورته صالحا لاستقبال الحياة الجديدة والامتزاج بها «.
أسرار المخّ البشري تنكشّف
إنّ العقل البشري كائن سحري بالغ التعقيد، وهو مخلوق من عدّة ملايير من الخلايا والوصلات العصبيّة، التي تتصّل ببعضها البعض من خلال أشكال بالغة التعقيد، تتجمّع هذه الشبكات المعقّدة لكي تضفي على العقل قدراً من الغموض، تعجز أكثر العلوم تقدّماً عن فهمه، وفهم طريقة عمله واستيعابه للمعلومات المختلفة، وأغرب من ذلك استذكار تلك المعلومات بعد مدّة من الزمن، وهذه العمليّات قد أعجزت العلماء.
ويحتوي هذا الجهاز الذي يفوق تعقيده الخيال على عدد مذهل من الخلايا، عشرات الملايير من الخلايا العصبيّة (العصبون)، كما يسمّيه خبراء التشريح، وهو رقم مذهل، وكلّ عصبون من هذه العصبونات يعتبر مصنعاً كيميائيّاً إلكترونيّاً، تشترك فيه أنواع كثيرة من المواد والخمائر المساعدة، ويجري فيه عدد هائل من التفاعلات الكيميائيّة.
لذلك نستطيع أن نعتبر عمليّات الذاكرة عملّيات كيميائيّة أكثر منها ماديّة عضويّة، لأنّ تلك الهرمونات هي التي تسهّل التواصل بين الخلايا العصبيّة.
والدماغ في حاجة إلى كميّات من الدم ـ لا يعلم مقدارها إلاّ الله - سبحانه وتعالى - خالقه ـ وإلى هرمونات مختلفة ليستطيع القيام بكثير من المهمّات والوظائف.
وفي كلّ سنة وبعد ازدياد البحوث والتجارب، واختراع آلات علميّة جديدة، يتوصّل الخبراء إلى اكتشاف القدرات المذهلة والخفايا العجيبة لهذا الجهاز، رغم أنّ تلك الاكتشافات لا تعبّر إلاّ عن جزء ضئيل من مهاراته وقدراته.