بناء المخ القوي سليمان بن محمد موسلمال

بناء المخ القوي لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ٢٥

إنّ التشابكات التي تكوّنها الخلايا العصبيّة باتّصالاتها معاً تشبه الدوائر، أو الدارات الكهربايّة، التي تدبّ فيها الحياة عندما يمرّ بها تيار كهربائي، فإذا نظرنا مثلاً إلى شجرة فإنّ الضوء القادم منها إلى العين يثير خلايا شبكيّة داخل الدماغ، وينشّطها، فتتولّد بسطحها شحنات كهربيّة، تسري عبر العصب البصري إلى القشرة المخّية، حيث تؤدّي إلى إثارة الخلايا العصبيّة المسؤولة عن الإبصار، والتي تستجيب لتلك الإثارة بطريقة معيّنة، تجعل العقل يعرف ما ينظر إليه.

إنّ تشريح أدمغة المتوفّين هو المصدر الوحيد لمعلومات العلماء التي توصّلوا إليها لمعرفة تركيب المخّ.

أمّا فحص وظائف وتخصّص كلّ جزء فيه بعمل معيّن، فقد أتيح لبعض العلماء معرفة ذلك بواسطة فحص أدمغة بعض الناس الذين وضعوا أدمغتهم تحت مبضع الجرّاح، فإذا أصيب مريض مثلا بتلف في جزء معيّن من مخّه، وتوافق ذلك التلف مع فقدان المريض لقدرة من القدرات التي يؤدّيها المخّ، قدرة الكلام مثلا، فإنّ النتيجة الحتميّة، هي أنّ ذلك الجزء يختصّ بقدرة الكلام، وبهذه الطريقة في البحث والاستنتاج اكتشف العلماء وجود نوع من تقسيم العمل بين أجزاء المخّ المختلفة.

لقد حدّد العلماء مركز كلّ حاسّة من الحواسّ بهذه الطريقة في الاستنتاج، وقد توفّرت في العصر الأخير تقنيّات متطوّرة مكّنتهم من فحص المخّ أثناء حياة صاحبه، ودون القيام بأيّ تدخّل جراحي، فمسحوا كلّ جزء في الدماغ داخليّاً وخارجيّاً بآلات دقيقة، حيث رسمت لهم صوراً مفصّلةً لهذا الجهاز.

لقد استطاع الخبراء المختصّون في هذا المجال أن يفحصوا المخّ قطعة قطعة، ومعرفة ما إذا كان هناك ورم، أو تلف، أو ضمور في أيّ جزء من أجزائه، فبذلك تحسّن فهمهم لتركيب الدماغ البشري، ووفّرت لهم تلك الآلات الدقيقة إمكانيّة النظر إلى المخّ مباشرة، وتسجيل مختلف نشاطاته أثناء قيام صاحبه بتصرّف معيّن، أو اجتيازه لخبرة خاصّة.

٢٥ / ١٩٠