بناء ذاكرة ولدك لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ١١٣إنّ الأطبّاء القدماء في الحضارة المصريّة كانوا يعتقدون أنّ القلب والأمعاء هي مركز العقل، أمّا أفلاطون وسقراط فكانا يعتقدان أنّ الجسم له حدود مكانيّة، أمّا النفس فليس لها تلك الحدود، بل هي أقرب إلى الروح منها إلى أيّ جزء آخر من الجسم.
وقالا: «إنّ الروح كانت تعرف الحقائق والمُثُل العليا عندما كانت تعيش في عالمها المثالي، أمّا عند ولادة الإنسان فالأفكار تصبح غامضة وغير واضحة، نتيجة اتّصال الروح بالجسد، ونتيجة انتقالها من عالم المُثُل إلى عالم الواقع، فهي تحاول بذلك أن تتذكّر ما فات، وأن تسترجع ما كان لديها من حقائق ومُثُل في العالم السماوي، وهي تستعين بالعقل لتتذكّر تلك المعلومات، إذ أنّه هو الوسيلة الصحيحة السليمة للوصول إلى تلك الأفكار «.
ولقد وضع أفلاطون إجابة لهذه الأسئلة على لسان سقراط فقال:
«إنّ العقل يحصل على هذه المعرفة من حياةٍ سابقةٍ له في وجودٍ تامٍ كاملٍ، ولمّا كان العالم المثالي أسمى من عالمنا الواقعي كان العقل بالتالي أسمى من الجسم، إذ أنّ الجسم هو الذي يعطّل عمل العقل، ويقف حائلاً بينه وبين الاتّصال بالعالم الآخر، فإذا حاول العقل أن يتّصل بالعالم الآخر كان عليه أن يقهر الجسم، وأن يحدّ من شهواته «.
ومن هذه الأفكار المختصرة نستنبط أنّ محلّ العقل في نظر سقراط وأفلاطون هو موجودٌ في عالم المُثُل، وأنّ عالم المُثُل هذا غير محدّدٍ ولا مضبوطٍ، ويكتنفه الغموض.
بينما وجهة نظر "أرسطو" تقول:
«إنّ العقل يوجد في القلب؛ لأنّ الدجاج الذي قطعت رأسه استمرّ في الجري بهياجٍ شديدٍ، ولكن عندما أزيل القلب توقّفت كلّ الوظائف في الحال «.
أمّا (ديكارت) فإنّه يرى: أنّ هناك آليةً جسمانيّةً لا نفس فيها ولا حياة، تتجدّد في الإنسان بنفسٍ مريدةٍ وعاقلةٍ، والجسم والنفس المتغايران يتفاعلان عن طريق عضوٍ خاصٍّ، هو ما يسمّى بالغدّة الصنوبريّة.