بناء ذاكرة ولدك لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ١١٩في أعماق نفس الولد وجهازه الفكريّ ينابيع من الطاقة والقوّة قليلاً ما يدركها المربّون، ويستغلّونها الاستغلال الإيجابي، فمن خلال التربية الحسنة، والاهتمام به يستطيع المربّي الاتّصال مع منبع تلك الطاقات والقدرات، فيطبّها في حياة الولد حتّى يصل بها إلى أعلى المراتب.
فكلّ مخلوقٍ قد تحصّل على هذا القبول قبل أن يولد، ولا شكّ في ذلك ما دام ربّه - عز وجل - قد اختاره ليكون خليفةً في الأرض، فكلّ ولدٍ جاء إلى هذا الكون هو عبارةٌ عن معجزةٍ جاء بها الله - عز وجل - إلى الكون، وسيصل إلى الدرجات العلى، إذا وجد من يسير به في الطريق المناسب الذي يوصل إلى ذلك.
فهو يمتلك سماتٍ عقليّةً وجسديّةً وروحيّةً شخصيّةً لا يملك مثلها أيّ إنسانٍ آخر في هذا الكون، والمخّ البشري هو أعقد هيكلٍ تمّ خلقه على الإطلاق، ويمكن أن يصبح أحسن وأفضل جهازٍ، إذا وجد من يهتمّ به ويبنيه بشكلٍ جيّدٍ.
فهو يملك سماتٍ فريدةً يمكن الاعتماد عليها لبناء ذاكرةٍ خارقةٍ، وهي سماتٌ أصيلةٌ قد جعلها الله - سبحانه وتعالى - فيه، وهي تولد معه، ولا تنتظر إلاّ من ينمّيها ويطوّرها، لكي تصبح عبارةً عن كنزٍ مخزونٍ من الخبرات والمعارف الشخصيّة، يقطع بها طريق الحياة.
فهذه المصادر الوراثيّة تكون دائماً في الانتظار بمجرّد أن يخرج الجنين إلى هذا الوجود، لأنّها جاهزةٌ لكي يستخدمها المربّون لصالح الولد، يستفيد منها في أيّة لحظةٍ من لحظات الحياة، فعلى الوالدين أن يعرفوا كيف يفتحون صندوق هذا الكنز.
يجب عليهما أن يدركا الأهميّة القصوى لما يملكه الولد من قدراتٍ كامنةٍ، تنتظر التفجير والاستغلال، وعليهما أن ينقّبا عليها بكلّ شجاعةٍ وثقةٍ داخل ذات ولدهما، فهي تسطع كوميضٍ من البرق، شعلةٌ بعد أخرى، وفي النهاية تؤتي أكلها، فتصبح كالأنهار المتدفّقة، التي تملأ كلّ نواحي النفس.