بناء ذاكرة ولدك لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ١٢٦وإذا أرادوا أن يكوّنوا في أولادهم عقولاً تفكّر بطريقةٍ إيجابيّةٍ ذكيّةٍ راقيةٍ، فما عليهم إلاّ أن يتصرّفوا تصرّفاتٍ واضحةً أمام أولادهم، وينصحوهم نصائح حقيقيّةً ولو كانت مؤلمةً، أو مرّةً.
فالولد بحاجة لأن يعرف حقيقة كلّ ما يقع حوله وتأثيره ونتائجه، لذلك فهو يكثر من الأسئلة، والسبب الرئيسي لذلك هو إرادة معرفة الحقيقة، وقد ذكر كبار الفلاسفة القدماء بأنّ الحقائق التي يتلقّاها العقل، والتي يبحث دائماً عنها تزيد من قوّة تفكيره، وهذا هو السبب الأساسي لاكتسابه قوّة التلقّي والعمل والإنتاج.
وهناك علاقة متبادلة تربط بين طريقة التفكير وبناء الذكاء، وبين البحث عن الحقيقة، فعدم قدرة الولد على الوثوق فيما يسمعه من والديه بأنّه حقيقة، يبعث في نفسه الخوف من النتائج، والخوف من الاستمرار في تساؤلاته الكثيرة، فيضعف فيه التفكير، ويستسلم للجمود وعدم العمل.
فعلى سبيل المثال، إذا كانت البيانات التي يتلقّاها مخّ الولد غير صحيحةٍ ومتناقضةٍ، فسيكون عقله في تردّدٍ دائمٍ، وتناقضٍ مستمرٍّ، ويشعر أنّه بحاجة إلى الوثوق في كلّ شيء يلقى إليه، ومن أجل هذا يكون لزاماً على الأولياء أن يضمنوا له ما يثقون فيه من معلوماتٍ وأفكارٍ، حتّى يثقوا أنّهم لا يكذبون.
فمن الحقّ الفطري والطبيعي للولد أن يبحث عن الحقيقة التي تكوّن فيه تفكيره، وتقوّي ذاكرته، ولكن عندما يكون المربّون غير صادقين معه، فهم بذلك يقلّلون من فرصة تصرّفه تصرّفاً على أساس صحيح، وبالتالي تتضاعف الأخطاء في سلوكياته وتصرّفاته، وعند ذلك يتلقّى اللوم السلبي، ويركن إلى الجمود، وعدم استعمال قواه الفكريّة، فتضعف ذاكرته.
فالولد عبقريّ صغير، فهو يشبه العباقرة الكبار الذين وُجدوا في كلّ زمان ومكان والذين أفنوا حياتهم وهم يلاحقون الحقيقة بكلّ قواهم، حتّى يصلوا إليها، كي يبنوا عليها أسساً جيّدةً من القيم، التي يسيرون عليها في حياتهم.