بناء ذاكرة ولدك لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ١٤إنّ ذاكرة الولد تتكوّن وتنمو شيئاً فشيئاً، وذلك من خلال فتح العقل لملفّاتٍ ذهنيّةٍ لكلّ ما يراه، أو يسمعه الولد، أو يتعامل معه، فهو يفتح ملفّاً خاصّاً لكلّ إدراكٍ معيّنٍ، وكلّ ملفٍّ خاصٍّ بإدراكٍ ومعنى محدّدٍ، فكلّما تلقّى الولد تجربةً من نفس المعنى يخزّنها عقله في نفس الملفّ الخاصّ بها، وبعض علماء الذاكرة يسمّون تلك الملفّات بالمسارات التي تسير من خلالها كلّ معلومةٍ من المعلومات.
إنّ ملفّات العقل تتكوّن عند الولد كلّما واجه في رحلة حياته تجربةً من التجارب، بواسطة تعرّفه عليها، وهكذا فكلّما جاءته معلومةً جديدةً من نفس المعنى يخزّنها في نفس الملفّ الذي تكوّن داخل الخلايا العصبيّة، وبمرور الوقت والأيّام والأعوام تتكوّن عنده ملفّات اللغة والقيم والاعتقادات والمبادئ، إلى غير ذلك من مختلف التجارب التي يواجهها في كلّ مرّة.
إنّ الأمّ بسلوكها ومعاملتها لولدها تكوّن استراتيجيّاتٍ عقليّةً سلبيّةً، أو إيجابيّةً داخل ذاكرته دون شعور منها، أو منه هو كذلك، فتتكوّن هذه الاستراتيجيّات، ثمّ تخزّن بعمقٍ في عقله الباطن، وتسبّب له الشعور والأحاسيس المختلفة.
وعقل الولد يبدأ بإظهار عبقريّته في مراحل متقدّمةٍ جدّاً من عمره، لأنّه يبدأ بتخزين صورٍ مختلفةٍ عن أمّه، فيختزن صورة أمّه وهي جالسةٌ، وهي واقفةٌ، وهي مبتسمةٌ، سعيدةٌ، أو حزينةٌ، وهي تلبس اللباس الفلاني، أو تسرح شعرها بالشكل الفلاني، وكذلك جميع الأوضاع والحركات والصور، وهو يخصّص ملفّا خاصّا لكلّ تلك الصور التي تمثّل أمّه.
إنّ الإستراتيجيّة العقليّة هي متتاليةٌ من أفكارٍ محدّدةٍ وتصوّراتٍ داخليّةٍ وخارجيّةٍ لتجارب معيّنةٍ، يربطها العقل بزمانٍ، أو مكانٍ، وتؤدّي إلى نتيجةٍ محدّدةٍ، لذلك على الوالدين أن يراقبا جيّداً ما يسجّلونه في ذاكرة أولادهم من إستراتيجيّاتٍ لأنّها ستكون عبارةً عن علاماتٍ يسترشدون بها عند السير في طريق حياتهم المستقبليّة.