بناء ذاكرة ولدك سليمان بن محمد موسلمال

بناء ذاكرة ولدك لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ١٥٩

إنّ من أنماط التفكير التي اكتشفها علماء الذاكرة فيما يخصّ الخليّة العقليّة هو أن التكرار يقلّل من المقاومة الحيويّة الكيميائيّة لتلك الفكرة التي يكرّرها الإنسان بكثرة.

وهناك مثال يسوقه علماء الذاكرة لأهميّة تكرار المعلومة وقوّة فهمها واستيعابها وتذكّرها فيما بعد.

وهذا المثال هو لغابة بكر، فعلى الشخص أن يتصوّر أنّه يريد أن يقطعها من طرف إلى نهاية طرفها الآخر، وهو مزوّد بمنجل، ويناضل من أجل أن يشقّ فيها طريقاً ليسير فيه.

ففي المرّة الأولى التي سوف يمرّ فيها عبر الغابة، سوف تواجهه كثيرٌ من المصاعب والمتاعب، وكثيرٌ من عوامل المقاومة في طريقه، وكذلك عندما تريد الأمّ أن تلقّن معلومة لولدها الصغير، فستجد مقاومةً ومصاعب، ولكن تلك المصاعب لا يستطيع الطفل أن يتحكّم فيها، لأنّه يسمعها لأوّل مرّةٍ.

ولكن بمجرّد أن يكرّر ذلك الشخص قطع تلك الغابة مرّةً أخرى، سوف تنقص المقاومة التي تلقّاها في المرّة الأولى، في رحلته السابقة، بسبب الطريق الذي خطّه في رحلته الأولى، وكذلك الطفل عندما تكرّر الأمّ محاورته مرّةً أخرى حول المعلومة السابقة نفسها، فسوف يجد سهولة في فهمها واستيعابها، لأنّ تلك المعلومة قد اتّخذت لها مساراً معيّناً داخل الخلايا العصبيّة المخّية.

وفي المرّة الثالثة والرابعة والخامسة سوف يصبح الطريق أكثر اتّساعاً وتنقص المقاومة أكثر وأكثر، ثمّ يتحوّل الطريق الصغير بعد ذلك إلى طريقٍ كبيرٍ، ثمّ إلى شارعٍ رئيسيٍّ كبيرٍ ضخمٍ في نهاية الأمر.

والعقل يعمل بالطريقة نفسها، ففي كلّ مرّةٍ يتلقّى معلومةً معيّنةً، ثمّ تكرّر عليه، سوف تقلّ المقاومة، وتضعف، إلى أن تنعدم في النهاية، وتصبح معلومةً محفوظةً، مسجّلةً تسجيلاً قويّاً راسخاً في ملفّ المعلومات التي تشبهها.

١٥٩ / ١٧٧