بناء ذاكرة ولدك لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ١٨إنّ هذه الطائرة النفّاثة ــ عقل الولد ــ قد صنع محرّكها، وصمّم لكي تطير به عاليّاً وبسرعةٍ فائقةٍ، لكنّ قائدها ــ الأمّ ــ اهتمّ بالمنظر الخارجي فيها فقط، لأنّه لا يعرف ما لديه، ولا كيف يطوّر تلك القوّة، أو كيف يجعل محرّكها يبلغ أقصى سرعةٍ يستطيع أن يصل إليها، فهي صنعت أساساً كي تطير، ولكن الطيّارة اهتمّ بطلاء الأجنحة فقط، وتشغيل المحرّكات إلى درجةٍ ضعيفةٍ فقط، وبعد ذلك يلوم الطائرة أنّها لا تستطيع الطيران، في حين أنّه هو المتسبّب الرئيسي في ذلك.
والأمّ هي المسئول الأوّل أن ينظر إلى ذلك المخلوق الصغير بطريقةٍ أكثر عمقاً، بحثاً عن القدرات والطاقات الخفيّة التي زوّد بها، فتوسّع مجال تفكيره، وتوقظ جوانب كثيرةً من قلبه وروحه وعقله، فيقبل على الحياة بشكل أحسن وبنفسٍ واثقةٍ في النجاح والتفوّق.
لقد أثبتت مجموعةٌ من الاكتشافات العلميّة أنّ القدرة الإنسانيّة لدى الولد لها أبعادٌ غير محدودةٍ، وإذا وجدت من يوجّهها، ويدفعها فستظهر بكلّ وضوحٍ في واقع حياته، فيصل بها إلى أعلى الدرجات، ولكن السبب الرئيسي الذي ترك أغلبيّة الأولاد في الدرجات السفلى من التفوّق هو تلك العوائق التي يضعها العقل، فهي تعوق أعظم إمكانيّات النفس.
وإنّ أكثر الفتوحات العلميّة إثارةً في هذا الزمن الأخير لا يتمثّل فقط في التقدّم التكنولوجي، بل تكمن في إدراك أعمق لما يعنيه أن نكون أكثر إنسانيّةً، وأكثر تفوّقاً ونجاحاً، وهذا الشيء ممكنٌ باختياراتٍ صغيرةٍ يمكن الوصول إليها بسهولةٍ، وبقليلٍ من المثابرة والصبر، فطاقة التفوّق قد خلقها الله - عز وجل - بداخل كلّ إنسانٍ منذ أن يولد إلى هذا الوجود، وهي دفينةٌ لا تبحث إلاّ عن مربٍّ ماهرٍ ذكيٍّ، يستطيع أن ينشّطها وينمّيها، ولن يستطيع أحدٌ أن يقوم بمثل هذا العمل أكثر من الأمّ.