بناء ذاكرة ولدك لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٣٢والأمّ أقرب إنسانٍ في هذه الحياة إلى الولد في سنواته الأولى، لأنّها تضمن له الرضاعة التي هي أفضل شيءٍ بالنسبة له في حياته، كما أنّها هي التي تبني العلاقات الحميمة بينها وبينه، فلا أحد في الوجود يستطيع أن يفهم ما يجده الولد من الراحة والأمان والاطمئنان وهو يتغذّى من صدر أمّه، ويحسّ بذلك الغذاء وهو يبعث في جسده القوّة والنشاط والحيويّة.
وعلاقته بها وهو على صدرها يعبّ من لبنها كيف يشاء بكلّ أمانٍ، يشعر بثقةٍ ما فوقها ثقةٌ، وهي تزداد يوماً بعد يوم بقدرٍ المعاملة التي يتلقّاها من أمّه.
وفي تلك السنّ لا يستطيع الولد تمييز نفسها عن نفسه، أو أن يميّز نفسه عنها، فما على الأمّ الذكيّة إلاّ أن تغتنم تلك العلاقة الثمينة، فتنظّم له كلّ أعماله، لأنّ تفكيره سيقوى نتيجة لذلك، وكلّما قوي تفكيره، قويت ذاكرته.
عليها أن تستغلّ تلك الفرصة الثمينة التي وهبها الله - سبحانه وتعالى - لها كي تنظّم له نومه، واستيقاظه، ولعبه، وتبعد عنه كلّ ما يشوّش عليه تفكيره، أو يفسد عليه نظامه.
فالانفعالات سارّةً كانت، أو مؤلمةً، والغرائز التي تهيّئ سبل الحياة المرضيّة، والتجارب التي تمهّد طريق الحياة الطيّبة، أو العكس، كلّها مرتبطةٌ بوجود الأمّ الذكيّة بجانب الولد، حين يكون عقله شبيهاً بصفحة بيضاء، مستعدّةً لتسجّل فيها الأمّ كلّ ما تريد، لتصبح خريطةً يسترشد منها مختلف المعلومات التي يسير بها في طريق حياته.
وكلّ هذه التوجّهات تسجّل داخل عقل هذا العبقري الصغير حتّى قبل أن يكتسب الألفاظ التي يمكن له أن يعبّر بها عن ما يسجّل داخل هذه الآلة العجيبة المعجزة، ونستطيع أن نشبّه ذلك بالمسالك والطرق التي تنجز في مدينة من المدن.