بناء ذاكرة ولدك سليمان بن محمد موسلمال

بناء ذاكرة ولدك لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ٣٤

لقد ساهمت البحوث الحديثة المتعلّقة بتنميّة قدرات ومهارات الولد في إعادة النظر في طبيعة العلاقة بينه وبين أمّه، بحيث أنّ أغلبيّة علماء النفس كانوا يعتقدون أنّ هذه العلاقة تنشأ وتنمو على هامش الدوافع الأوّليّة التي تربط بينهما، فالولد يتعلّق بها، لأنّها توفّر له حاجاته الفيزيولوجيّة، خصوصاً حاجاته إلى الغذاء، وعلى مرور الأيّام وبزيادة تطوّر إدراك الطفل، يتكوّن فيه تصوّرٌ بأنّ أمّه هي مصدر منحٍ وعطاءٍ، ومصدر إرضاء جميع حاجيّاته.

ولكن بعد زيادة البحوث والدراسات الحديثة والتعمّق فيها تراجع الخبراء عن نظريّة التعلّق التقليدي للولد بأمّه تراجعاً جوهريّاً، لأنّ التجارب أوضحت أنّ ذلك التعلّق حاجةٌ أساسيّةٌ من حاجات النموّ لديه، وأنّها حاجةٌ قائمةٌ بذاتها ومستقلّةٌ عن الحاجات الأخرى، ويعتر التعلّق الآن على أنّه دافعٌ أوّليٌّ له أهميّته في بناء خبرة الولد العقليّة.

لقد أصبح العلماء يوجّهون الأمّهات إلى أهميّة التعلّق في تنميّة قدراته التفكيريّة، لأنّه يؤثّر تأثيراً عميقاً في سلوك الصغير ونموّه العقلي والنفسي، ولا أحد ينكر العلاقة الوثيقة بين التطوّر النفسي والتطوّر العقلي.

إنّ العلاقة المتبادلة بين الأمّ والصغير تتطلّب الثبات والاستقرار، لأنّ تجربة الانفصال عن الأمّ قبل أن يبلغ الولد السنوات الثلاث من عمره هي من أقسى التجارب التي سيكون لها الأثر السلبي المباشر على عدم اكتمال بناء قواه المختلفة، خاصّةً منها النفسيّة والتفكيريّة.

٣٤ / ١٧٧