بناء ذاكرة ولدك سليمان بن محمد موسلمال

بناء ذاكرة ولدك لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ٣٦

بينما تؤدّي معاملته بتشدّدٍ ونفورٍ وكراهيّةٍ إلى التعاسة والشقاء، وتجعله ينظر إلى العالم نظرةً قاتمةً سلبيّةً متشائمةً، ممّا يبني في نفسه تلك التصوّرات السلبيّة نحو ذاكرته، ونحو قواه العقليّة، فينشأ ضعيف التفكير قليل التحصيل.

الأمّ والولد مسيرة حياة

إنّ أوّل ما يلهم الله - سبحانه وتعالى - الإنسان، عندما يخرج إلى هذا الوجود، وهو لا حول له ولا قوّة، عمليّةٌ بالغة التعقيد وهي مصّ ثدي أمّه، يولد، وخلال دقائق يضع شفتيه على حلمة الثدي ويُحكم إغلاقَهما ويسحب الهواء، فلولا أنّ الله - عز وجل - ألهمه هذا السلوك المُعقّد لما كان أحدٌ من الناس على وجه الأرض.

وهي تعدّ كائناً معجزاً، إنّها آيةٌ من آيات الله - سبحانه وتعالى -، فوجودها من أجل ابنها، أعصابها وإدراكها ومشاعرها كلّها تتفاعل مع ابنها تفاعلاً فطريّاً عجيباً، وكأنّ هناك اتّصالاً دائماً، فإذا كانت بعيدةً عنه، تقول لقد استيقظ ابني، كيف عرفت؟ لقد طفّ الحليب من ثديها، إنّها تظهر لديها مشاعر متنوّعةٌ نحو ذلك المولود الجديد.

فبعض الأمّهات جعلهنّ الله - سبحانه وتعالى - رائعاتٍ من حيث التكوين والاستعداد لاستقبال أولادهنّ، وما ذلك إلاّ لأنّهن قد تعلّمن كثيراً ممّا يخصّ التربية الصحيحة للولد، بل حتّى فيما يخصّ الجنين، فتتحوّل الأمومة عندهنّ إلى هدفٍ هامٍ وراقٍ، يؤدّين من أجله كلّ ما في استطاعتهنّ من جهودٍ، فتصبح التربيّة لديهن متعةً وسروراً، لأنّهن يعتقدن بأنّها واجبٌ مقدّسٌ يجب عليهن أن يؤدّينه بكلّ يقينٍ ورضىً.

وهناك من النساء من تتحوّل لديهن الأمومة إلى نوعٍ من العذاب، يمتدّ من ذواتهنّ إلى أولادهن بواسطة المعاملة التي يعاملنهم بها، فيثمر عن ذلك نفوساً مشوّهةً ترى الحياة عبارةً عن تعبٍ ومشّقةٍ وعذابٍ.

٣٦ / ١٧٧