بناء ذاكرة ولدك لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٤٣ومن جهة أخرى لابدّ أن نخبر الأولياء، وخاصّةً الأمّهات أن يعتنوا بأولادهم، لأنّهم هم المسؤولون عن تشييد هذا البناء المعجز، فهم الذين يجعلون منه بناءً قويّاً، يستطيع أن يستوعب ويحمل من المعلومات ما لا يعدّ ولا يحصى، أو يتركونه من دون عنايةٍ، فيصبح بناءً ضعيفاً لا يستطيع الاستيعاب إلاّ قليلاً.
لقد بقي العلماء إلى عهدٍ قريبٍ سجناء تلك النظرة العلميّة الخاطئة حول بناء المخّ البشري، حيث كانوا يظنّون بأنّه لا ينمو، ولا يتغيّر، ولا يتطوّر، بل يتكوّن من الجينات الوراثيّة التي يرثها صاحبه من والديه، والحقيقة أنّه يستطيع التطوّر والنموّ والتغيّر إلى الأحسن إذا ما أوليناه اهتماماً بالغاً، أو يبقى مستقرّاً في أسفل درجات الذكاء والعبقريّة ولا يتطوّر، ولا يتغيّر إذا ما أهملناه.
فلكلّ من التربيّة الأسرية والاجتماعيّة والعادات الغذائيّة تأثيرٌ عظيمٌ في بناء مخّ الوليد، بل حتّى في بناء مخّ الجنين قبل أن يولد، سواء فيما يخصّ الغذاء التي تتناوله أمّه، أو الحالة النفسيّة التي تكون فيها، والحالة الجسميّة من ناحية القوّة، أو الضعف.
لقد كان "دافيد هارتلي" من أوائل المفكّرين الذين تأثّروا بعصر النهضة في ميدان دراسة طريقة بناء المخّ القويّ، فقد قام بتطوير النظريّة الاهتزازيّة للذاكرة، فأكّد بواسطة تجاربه أنّ هناك اهتزازات خاصّة بخلايا المخّ، تبدأ قبل خروج الجنين إلى هذا الكون، وتتولّى الأحاسيس الجديدة تخفيف تلك الذبذبات الموجودة في تلك الخلايا من حيث الدرجة، والنوع، والمكان، والاتّجاه، وبعد اختفاء تأثير تلك الأحاسيس، تعود الذبذبات بسرعةٍ إلى حالتها الطبيعيّة، ولكن إذا ظهرت نفس الأحاسيس مرّةً أخرى، فإنّ الأمر يتطلّب وقتاً أطول لعودة تلك الذبذبات، وبهذه التجارب المتعدّدة يصل المخّ في النهاية إلى أن يحافظ على بقاء ذبذباته على حالةٍ جيّدةٍ، وبذلك تبدأ آثار الذاكرة بالظهور.