بناء ذاكرة ولدك سليمان بن محمد موسلمال

بناء ذاكرة ولدك لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ٦٠

يلاحظ الخبراء أنّ الولد كثيراً ما يضطرب، ويبكي إذا حمله شخصٌ آخر غير أمّه، ويصيح رافضاً إيّاه، ولكن بمجرّد ملامسته جسم أمّه تطمئنّ نفسه، ويهدأ، ويسكت على الرغم من أنّه لم ير وجهها، لأنّ عينيه مشغولتان بالبكاء، وهذا ما أحدث تساؤلاً عن سبب هذا الهدوء والسرّ في ذلك.

لقد فتح البحث في هذا الموضوع أسراراً عظيمةً أمام الخبراء فيما يخصّ طبيعة عمل المخّ، فوجدوا بأنّ مخّ الولد يبدأ بإظهار عبقريّته في مراحل متقدّمةٍ جدّاً من عمره.

فهو يبدأ بتخزين صورٍ مختلفةٍ عن أمّه في ذاكرته، فيخزّن صور أمّه وهي جالسةٌ، أو واقفةٌ، أو تمشي، وهي مبتسمةٌ، أو غاضبةٌ، وهي سعيدةٌ، أو حزينةٌ، وهي تلبس اللباس الفلاني، وتسرّح شعرها بالشكل الفلاني، وجميع الأوضاع والحركات والصور، ويخصّص في مخّه ملفّاً خاصّاً لكلّ حالةٍ من حالاتها.

كما يكوّن ملفّاتٍ في ذاكرته عن نبرات صوتها، فتكفيه أثناء بكائه دعوةٌ حنونٌ منها ليهدأ، ويخزّن كذلك نوع رائحتها، فيتعرّف عليها برائحتها إذا حملته بين ذراعيها، وقد توصّلت البحوث العلميّة الكثيرة إلى أنّ لكلّ إنسان رائحته الخاصّة به، ومثلها مثل بصمة الأصبع تماماً، فتلك الرائحة يتميّز بها كلّ واحد عن غيره من بني جنسه، ولا يتّفق اثنان في رائحة جسميهما، وهذه الرائحة هي أساس تعرّف الكلاب البوليسيّة على المجرم.

ويستطيع كذلك أن يميّزها عن غيرها من عناصر أسرته بصورة وجهها، ولا يوجد في الأرض كلّها، والتي يعيش عليها سبعة ملايير إنسان وجه إنسان مشابه لوجه إنسان آخر.

والشيء الغريب والعجيب أنّه يتعرّف حتّى على حرارتها، في دفئها وبرودتها، وطبيعة ملمسها ونعومة بشرتها، كما يحسّ بانفعالاتها الداخليّة.

فهو يكوّن في ذاكرته صورةً عن أمّه يتكامل ويشترك فيها جميع عمل حواسّه من سمعٍ وبصرٍ ولمسٍ ومشاعر، ويتكوّن في ذاته إحساسٌ بهالة أمّه.

٦٠ / ١٧٧