تقوية الذاكرة سليمان بن محمد موسلمال

تقوية الذاكرة لسليمان موسلمال

الجزء ١ · صفحة ٣٢

وفي التراث الإنساني بمختلف أنواعه، وملله، كلام كثير في تمجيد خلق الصفح والتسامح والمغفرة بين الناس، وليس ذلك لمجرّد الرغبة في نبذ التخاصم والبغضاء بين البشر والحرص على نشر السلام والمحبّة بين أبناء المجتمع الواحد، بل إنّ هناك نفعا خاصا للصفح، يصيب المظلوم الذي كان قد أسيء إليه عندما يصفح عن تلك الإساءة.

تذكر الأبحاث والدراسات النفسيّة أنّ حمل الضغينة والغيظ في الصدر يورث الشقاء لصاحبه، ويسهم في نمو كثير من الأمراض في جسمه وأعصابه، ويجعله يفقد القدرة على التركيز والانتباه، وتضعف قدرته على الحفظ واسترجاع المعلومات التي تحصّل عليها، وأنّ الصفح عن المسيء ونسيان الإساءة يعدّ علاجا نفسيّا ناجحا يقضي على الأعراض المؤلمة التي يحدثها الغيظ أو الكراهة في الصدر.

يقول الدكتور ﴿فيتز غيونز﴾:

إنّ ميزة الصفح أنّه يجعل من يتعرّض للإساءة قادرا على العيش بسلام مع نفسه، فالمشاعر الناقمة الساخطة تعكّر الحياة، وتسبّب القلق والتوتّر، وتثير الآلام في أعماق النفس، أمّا الصفح فإنّه يقوم بمحو ذلك كلّه، والصفح عن المسيء لا يعني بالضرورة استمرار العلاقة معه، أو الاحتفاظ بمشاعر المودّة السابقة نحوه، إن كان هناك مودّة سابقة، وإنّما هو ببساطة يعني نسيان الإساءة وإسقاطها من الذاكرة حتى لا تشغل فيها حيزا زائدا، والذي نستطيع أن نغتنمه لنملأه بكثير من المعلومات التي تنفعنا في حياتنا اليوميّة، عوض أن نبقى نفكّر مع أنفسنا ونتعب ذاكرتنا، لماذا أساء إلينا فلان؟، وكيف ننتقم منه؟ أو كيف نسترّد حقّنا؟، وغير ذلك من الأفكار التي لا طائل من ورائها ونحن نشغل بها عقولنا، ونتعبها، ونشتّت تركيزنا واهتمامنا بكثير من المواضيع التي لا تنفعنا في حياتنا، والتي تجلب لنا من الضغوط ما يجثم على الصدر من ثقل الآلام النفسيّة التي أحدثناها لنفوسنا دون فائدة.

٣٢ / ٨٦