تقوية الذاكرة لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٥٧قال ابن الجوزي: تأمّلت أحوال الناس في حالة علوّ شأنهم فرأيت أكثر الخلق تبين حسراتهم حينئذ، فمنهم من بالغ في المعاصي من الشباب، ومنهم من فرّط في اكتساب العلم، ومنهم من أكثر من الإستمتاع باللذات.
إنّ من ينفق وقت شبابه في التعلّم، فإنّه سيحمد في زمن الشيخوخة جني ما غرس، ويلتدّ بتصنيف ما جمع، ولا يرى ما فقده من لذّات الجسم شيئا يندم عليه بالنسبة إلى ما يناله من لذّة العلم.
ويقول ابن الجوزي:
ولقد كنت في حلاوة طلبي للعلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل، لأجل ما أطلبه وأرجوه من تحصيل الثواب من ذلك الطلب، ونفع الناس بالدعوة إلى الله.
ويقول كذلك:
كنت في زمن الصبا آخذ معي أرغفة يابسة، فأخرج في طلب الحديث، وأقعد على نهر عيسى، فلا أقدر على أكلها إلاّ عند الماء، فكلّما أكلت لقمة شربت عليها، وعين همّتي لا ترى إلاّ لذّة تحصيل العلم، فأثمر ذلك عندي أنّي عرفت بكثرة سماعي لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحواله وآدابه وأحوال الصحابة وتابعيهم ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ.
وكلّ ذلك يعتبر من التمارين الذهنيّة العالية التي تنشّط خلايا المخّ وتزيد من حركة الأعصاب التي تربط بينها، ممّا يزيد من قوّتها واستيعابها لمختلف المعلومات.
وعلى كلّ من أراد أن يصبح عبقريّا ذكيّا ذا ذاكرة قويّة، أن يعلي همّته، ويهتمّ بزيادة معلوماته، لأنّ ذلك يجعله يتمكّن من الإحاطة بكثير من الأمور، ويغيّر من واقع معيشته إلى الأفضل، فيكون دائما في أخذ وعطاء، وعندما يعطي دون أن يأخذ فإنّه يتّجه نحو النقصان والضعف، وهذه العمليّة في حدّ ذاتها تضعف الذاكرة، لأنّ العقل بحاجة دائما وأبدا إلى الغذاء الذهني ما دام صاحبه حيّا يرزق، تماما كحاجة الجسد إلى الغذاء المادّي الذي يتقوّى به، والذاكرة عندما تضعف يكون النسيان هو الحاكم على الإنسان.