تقوية الذاكرة لسليمان موسلمال
الجزء ١ · صفحة ٧٩وهو يقف عن النمو والإنتاج، بل يتأثّر وينقص في التفكير كلّما أهمل أو قدم له الضحل الخفيف من القراءة والمطالعات، تماما كالأعضاء الأخرى في جسم الإنسان، فكلّما استعمل الإنسان عضوا من أعضاءه أكثر من الآخر، واهتمّ به اهتماما أفضل، يأخذ نصيبا أوفر وأكثر من الغذاء والأكسجين بالنسبة للعضو الخامل الكسول، الذي لا يعمل ولا يتحرّك.
ونجد هذا الفرق بين اليد اليمنى واليد اليسرى في القوّة والضعف، لأنّ هذه تعمل وتتحرّك وتنشط فيزداد نموّها، والأخرى لا تعمل ولا تتحرّك ولا تنشط فيزداد ضعفها وفشلها.
وذلك مثل عضد الحداد وذراع العامل والفلاّح، وأغلبيّة المثقّفين لا يقدّمون لعقولهم أبحاثا فكريّة اجتماعيّة أو فلسفيّة جيّدة، فتصاب عقولهم بالملل والإجهاد الفكري، لأنّ الدماغ بطبيعته التي كوّنها فيه الله - عز وجل - يستطيب تنوّع الأبحاث فيستجمّ وينشط، ويستعيد استساغة التفكير والعمل والنشاط، ولابدّ أن نعلم بأنّ التفكير ذا النمط الواحد يتعبه ويجهده، مثله في ذلك مثل الأذن التي تمجّ النغم الواحد المتواتر الذي تسمعه كلّ حين، ومثل العين التي تكلّ وتتعب وهي تنظر دائما إلى نفس المنظر.
وقد أجمع الباحثون في ميدان الأعصاب والدماغ أنّ المخّ يحافظ على حيويّته، ويزداد نشاطه وإنتاجه، ويضاعف استيعابه إذا حافظ عليه صاحبه، ونشّطه، ولم يتركه يخمد أو يجمد فيصاب بضعف الذاكرة ونقصان التفكير.
ونحن نرى كثيرا من كبار السنّ يصابون بتدن في التفكير، وخرق في عقولهم، وعدم الإنتاج، وعدم الابتكار، فما ذلك إلاّ لأنّهم بعد إحالتهم إلى المعاش، واعتزالهم العمل، ينصرفون إلى سكنى المقاهي وإضاعة وقتهم باللعب بالأوراق والألعاب الأخرى، فيتعوّدون على ذلك، ويألفونه فتجدهم لا يستطيعون تغيير تلك العادات، فيقتلون بذلك مواهبهم ويضيّعون عقولهم التي كان يجب عليهم أن يستفيدوا منها، ويستغلّوا نضجها وخبراتها التي اكتسبوها من قبل، طوال حياتهم.