أزمة الأمة الحقيقية لـ؟
الجزء ١ · صفحة ١٩وحين انتشرت ثقافة الرواية في الأمة بدأ أهل الحديث يأصلون لعلم الحديث وبدأوا يتحدثون عن عظمة علم الحديث وفضله على بقية العلوم –ومنها القرآن بالطبع- وجعلوا الحديث وأهله هما عماد الإسلام وركنه المتين الذي لولاهما لبطلت شريعة الإسلام وانهار قوامه، وزال الإيمان من دونهما، فقالوا أن (علم الحديث من أفضل العلوم الفاضلة، وأنفع الفنون النافعة، يحبه ذكور الرجال وفحولهم، ويُعنَى به محققو العلماء وكَمَلتهم، ولا يكرهه من الناس إلا رُذالتهم وسفلتهم، وهو من أكثر العلوم تولجاً في فنونها)(1) [51]). وقالوا أيضاً: (لما كان ثابت السنن والآثار، وصحاح الأحاديث المنقولة والأخبار ملجأ المسلمين في الأحوال، ومركز المؤمنين في الأعمال، إذ لا قوام للإسلام إلا باستعمالها، ولا ثبات للإيمان إلا بانتحالها، وجب الاجتهاد في علم أصولها ولزم الحث على ما عاد بعمارة سبيلها)(2) [52]). وقالوا أيضاً: (لولا عناية أصحاب الحديث بضبط السنن وجمعها واستنباطها من معادنها والنظر في طرقها لبطلت الشريعة وتعطلت أحكامها)(3) [53]). حتى قال أحد متأخريهم: (لا يستطيع من يدرس موقف العلماء منذ عصر الصحابة إلى أن تم تدوين السنة من الوضع والوضاعين وجهودهم في سبيل السنة وتمييز صحيحها من فاسدها إلا أن يحكم بأن الجهد الذي بذلوه في ذلك لا مزيد عليه، وأن الطرق التي سلكوها هي أقوم الطرق العلمية للنقد والتمحيص، حتى لنستطيع أن نجزم بأن علماءنا رحمهم الله هم أول من وضعوا قواعد للنقد العلمي الدقيق للأخبار والمرويات بين أمم الأرض كلها، وأن جهدهم في ذلك جهد تفاخر به الأجيال وتتيه به على الأمم)(4)
(1) ابن الصلاح "مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث" ص15.
(2) الخطيب البغدادي "الكفاية في علم الرواية" ص3.
(3) المرجع السابق ص3.
(4) مصطفى السباعي "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي" ص108 ..