أزمة الأمة الحقيقية مجهول

أزمة الأمة الحقيقية لـ؟

الجزء ١ · صفحة ٢٦

فما الذي غير وجه التاريخ الإسلامي من صورة العدل والمساواة القرآنية إلى صورة الظلم والقهر والاستبداد؟ قد يجيب البعض قبل أن يأخذ برهة كافية للتفكير أن السبب في ذلك هو اتباع الأهواء والابتعاد عن سنة الكتاب والسنة وسيرة الراشدين من الخلفاء، وعلى ما في هذا الجواب من وجوه صحيحة إلا أنه يظل ناقصاً ما لم نقرر حقيقة أن الروايات الحديثية التي تسلطت على السنة النبوية وأزاحة الكتاب الكريم وحلت محله في التراتيبية التشريعية هي العائق الأكبر أمام الرجوع إلى "الكتاب والسنة وسيرة الراشدين من الخلفاء"، فقد استطاع المستبدون الأوائل من بني أمية الذين انحرفوا عن مسيرة العدالة والمساواة والشورى الإسلامية القرآنية وبالتعاون مع الرعيل الأول من أهل الحديث المؤسسون أن يرسخو في الأمة ثقافة الرضوخ للطغيان والقبول بالهوان والتسليم لأصحاب الشوكة والسلطان، وأسسو كذلك لمرحلة عنصرية في التاريخ الإسلامي تعامل بعض قبائله وعوائله على أنها محفوفة بالرعاية الربانية ومشمولة بالرضا الإلهي وانه يلزم التسليم والرضوخ لأهواءها ونزواتها!

كانت البداية باختراع فكرة وجوب أن يكون الحاكم قرشياً، فسكّ أهل الحديث الروايات في تأصيل هذه الفكرة وزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين)(1) [58])، وأنه قال: (الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم لمسلهم وكافرهم لكافرهم)(2) [59])، وهذه الروايات تعبر عن الأصل السياسي لأهل الحديث الذي يعبر عنه أحمد بن حنبل بالقول (والخلافة في قريش ما بقي من الناس اثنان، ليس لأحد من الناس أن ينازعهم فيها ولا يخرج عليهم، ولا نقرّ لغيرهم بها إلى قيام الساعة)(3) [60]).

(1) البخاري 7139.

(2) مسلم [4701] 1 - (1818).

(3) ابن أبي يعلى "طبقات الحنابلة" ج1ص30.

٢٦ / ٤٨