الجرح والتعديل: قراءة في تراث المدرسة الجابرية خالد بن مبارك الوهيبي

الجرح والتعديل قراءة في تراث المدرسة الجابرية لخالد الوهيبي

الجزء ١ · صفحة ١٩

فالرواد الأولون للمدرسة الجابرية لم يمارسوا هذه الصرامة في قبول الأحاديث لأجل الخلاف السياسي، بل لأجل ما جره هذا الخلاف السياسي من تبعات في القول والعمل، ويؤيد هذه الحيطة ما ورد في كتاب الله تعالى (يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا) فبين تعالى في هذه الآية أن التعلق بأماني الغفران مؤد بدوره إلى التكالب على الحطام الفاني وتضييع معاني الخوف من الله تعالى، وقال تعالى أيضاً: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون) ثم بين تعالى سبب هذا الإعراض عن حكمه ومنهجه (بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات)، فتضييع العمل أو التهوين من قيمته من شأنه أن يلقي بظلاله الكئيبة على تلقي الرواية وأدائها، ولعل هذا يفسر تكالب آلاف الكذابين والدجالين لاختلاق الروايات ونسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وللأسف الشديد أن يكون بين هؤلاء بعض ممن حملوا أمانة العلم.

وهذا كما قلنا لا يعني بالضرورة أنهم تركوا مرويات من عداهم، فأبو المؤرج يقول لتلميذه أبي غانم: (قومك يقولون حقاً كثيراً، لم يخالفهم المسلمون فيما أصابوا فيه، ولكن إنما خالفوهم فيما أخطأوا فيه وكذبوا)[6]، فأبو المؤرج يؤكد على أن عند الآخرين الكثير من الخير الذي لا ينبغي إهماله والإعراض عنه، لكنه يؤخذ بما ينسجم مع القواعد الكلية والأصول التشريعية، ولعل هذا المثال يوضح الفكرة بشكل جيد، حيث سأل أبو غانم أبا المؤرج فقال: (أبلغك عن عبدالله بن مسعود أنه قال لشيخ أتاه قد ذكر له أنه تزوج جارية شابة فأشفق أن تبغضه فأتى عبدالله بن مسعود. فقال: إني شيخ كبير فتزوجت فتاة، وأخاف العزل.

١٩ / ١١٧