الجرح والتعديل قراءة في تراث المدرسة الجابرية لخالد الوهيبي
الجزء ١ · صفحة ٢٦فقول الإمام جابر "لا نعرفه ولا نؤثره عمن مضى من هذه الأمة" وقوله "وأما الذي يصنعون فما أدري ما هو" يعبر بصراحة عن ظاهرة الظهور المتأخر للروايات وعدم قيام عمل عليها، وفي مخطوطة "من قول قتادة" من الديوان المعروض لما سئل أحد تلاميذ الإمام الربيع بن حبيب عن (قول أبي معشر النخعي أربعة يخفيهن الإمام: بسم الله الرحمن الرحيم، والاستعاذة، وآمين عند خاتمة فاتحة الكتاب، وربنا ولك الحمد عند رفع رأسه من الركوع.
قال: يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وأما آمين فلا نعرفه، وإن جهر باسم ربنا ولك الحمد حتى يسمع من على يمينه فلا بأس)[30]، في هذا النص يقول أحد تلاميذ الربيع إن "آمين" عند خاتمة الفاتحة لا يعرفها من أين جاءت!!.
وليس ذلك ببدع من الأمر، فحتى بعض علماء المحدثين كان يبني آراءه الفقهية على ذلك، فمالك بن أنس عالم المدينة وإمام المذهب المالكي يقول (في وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة؛ قال: لا أعرف ذلك في الفريضة)[31] فكان يكرهه، فقوله (لا أعرفه) أي لم يكن عليه العمل المستقر المنقول جيلاً بعد جيل.
وهذا بالضبط ما يمثل نوعاً من المفارقة الجوهرية بين طرق المحدثين في التعامل مع الرواية وطرق المدرسة الجابرية، فالنظرية التي تقوم عليها مدرسة أهل الحديث في عمومها تنادي بأنه (لا تنظروا إلى الحديث، ولكن انظروا إلى الإسناد فإن صح الإسناد وإلا فلا تغتروا بالحديث إذا لم يصح الإسناد)[32]، و(إذا صح الحديث فهو مذهبي)[33]، في حين أن عموم الاستقراء للنصوص عن المدرسة الجابرية تؤكد على أنهم كانوا يتحفظون بشدة على الروايات المتأخرة الظهور والتي لم يقم عليها عمل.
ورغم قوة هذه النظريات التي قام عليها الفقه الإباضي القديم؛ صرنا في العهود المتأخرة نستورد دون وعي وبنيات حسنة في الغالب كثيراً من الأحاديث والروايات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ومن ينادي بخلاف ذلك يدمغ بتهمة "إنكار السنة"، ومرد ذلك في نظري إلى: