الجرح والتعديل قراءة في تراث المدرسة الجابرية لخالد الوهيبي
الجزء ١ · صفحة ٥٠فالسنة تحمل معاني الاضطراد لما فيها من جريان الأحكام، وهو المعنى المتفق مع المعنى اللغوي للسنة، فالفعل "سَنَّ" يحمل معنى الاستمرارية، ويعني العمل المتواصل، ولهذا فالتعبيران "سننت الماء على وجهي وسننت التراب على وجه الأرض" يعني: ظللت أصب الماء على وجهي، واستمر الغبار يسقط على وجه الأرض، قال ابن الأعرابي: (السن مصدر سنَّ الحديد سَناً، وسن للقوم سُنَّة وسَنَنَّاً، وسَنَّ الإبل يسنها سناً إذا أحسن رِعيتها، حتى كأنه صقلها، وسَنَّنَ المنطق حسنه، فكأنه صقله)[10].
فسنة النبي صلى الله عليه وسلم تحمل هذه المعاني اللغوية، فهي الطريقة المتبعة التي تصقل الحياة الإنسانية، لذا كان الصحيح من الأحاديث ما (أيده العمل أو وقع عليه الإجماع)[11] دون ما كان منسوخاً أو استقر عمل المسلمين على خلافه أو كان مخالفاً للسنن الماضية.
والسنة في التعبير القرآني في نسبتها للخلق الإلهي تقتضي الثبات والاطراد في خصوصية الزمان والمكان
(سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً)
(سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً)
ولكن عند دلالة السنن المنسوبة إلى الفعل الإنساني نجد أن السنة استبدلت بسنن متعددة (=بشرية)، كلها تصب في معاني التفاعل الإنساني مع حركة الكون والحياة خيراً كانت أو شراً، وهو الحراك الاجتماعي.
( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كان عاقبة المكذبين)
(يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم) وهذا مدخل مهم ومعايير قرآنية لفهم السنة والحديث في ضوء الدلالات القرآنية الكلية.
فإذن الأحاديث لا تخرج في طبيعتها عن هذين الإطارين:
- القوانين الإلهية في كتاب الله تعالى، بالتشريع النبوي داخل القواعد والمقاصد الكلية للكتاب العزيز، بتطبيق أحكامه وبيان معانيه ودلالاته.