الجرح والتعديل: قراءة في تراث المدرسة الجابرية خالد بن مبارك الوهيبي

الجرح والتعديل قراءة في تراث المدرسة الجابرية لخالد الوهيبي

الجزء ١ · صفحة ٦٥

فعمر بن الخطاب أجاز إمساك وإيواء ضالة الإبل بشرط تعريفها ثلاثاً، ثم إطلاقها إذا لم يتعرف عليها أحد، أما عثمان بن عفان فقد أمر بإمساكها وبيعها، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها، فهل في فعل الخليفتين مخالفة السنة؟، قد يحسب ذلك بعض ممن لا يفرقون بين السنن الماضية وما انبنت عليه، وبين مواقف يتخذها النبي صلى الله عليه وسلم استناداً إلى القواعد التشريعية في دائرة الوجود الاجتماعي.

والمدقق يرى أن (تكاثر ضوال الإبل في ولاية عمر يعود إلى انتقال قبائل برمتها من الحجاز ونجد إلى العراق وخراسان والشام ومصر، وامتداد سلطان المسلمين خارج الجزيرة وتخلف أعداد من الإبل في أحيائها القديمة)[21] ، ولعل الناس قد خف الوازع لديهم، وكما يقال المال السائب يعلم السرقة، فأجاز عمر إمساكها وتعريفها ثلاثاً.

ثم (رأى الخليفة عثمان أن ترك الإبل طليقة يحول دون الانتفاع بها بعد أن تكاثر عددها في عهد عمر بن الخطاب وأصبحت كما روى ابن شهاب "إبلاً مؤبلة تناتج لا يمسها أحد" أي تتوالد دون أن يعرف لها مالك، لذلك أمر عثمان ببيعها والاستفادة من أثمانها في تنمية ثروة المسلمين، بدلاً من تركها تتوالد وتموت دون أن ينتفع بها أحد، ولو تمسك بظاهر النهي عن التقاط الإبل لخالف سنة رسول الله لتضييعه أموال المسلمين وثرواتهم) [22]، وعليه (فمن وجد بعيراً ضالاً فيما لا يقدر فيه على الورود ولا على الرعي، وأخذه قصداً إلى حفظه على ربه فهو مطيع لله في فعله؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينه عن أخذ مثل هذا)[23]، ويؤيد خميس بن سعيد الشقصي هذا الرأي بقوله: (ولا يبعد أن يكون هذا البعير في معنى ضالة الغنم ونحوها، وقال عمر: "من آوى الضالة فهو ضال ما لم يعرفها" فهذا يدل على أنه إذا عرفها وحبسها على ربها كان مأجوراً)[24].

٦٥ / ١١٧