الجرح والتعديل: قراءة في تراث المدرسة الجابرية خالد بن مبارك الوهيبي

الجرح والتعديل قراءة في تراث المدرسة الجابرية لخالد الوهيبي

الجزء ١ · صفحة ٦٦

ويعلل ابن بركة هذا التوجه بقوله: (فإن قال قائل: لم أجزت أخذه والنبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يأوي الضالة إلا ضال" وقال عليه السلام: " ضالة المؤمن حرق النار"، والظاهر يمنع من أخذه؟.

قيل له: إنما هذا الوعيد لمن فعل ما قد نُهي عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وأما من تقرب إلى الله تعالى بأخذ البعير وحفظه على ربه في حال كان فيها لو تركه لتلف، وليس معه شرطه الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أخذه لأجله، وإذا كان هذا هكذا كان مطيعاً في فعله لقول الله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى) .

وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "من آوى الضالة فهو ضال ما لم يعرفها" فهذا يدل على أنه إذا عرفها فحبسها على ربها كان مأجوراً.

وروى أصحاب الحديث من مخالفينا عن الزهري أنه قال:"كانت الإبل أيام عمر بن الخطاب مؤبلة تناتج لا يمسكها أحد، حتى كان أيام عثمان فأمر ببيعها بعد تعريفها، فإن جاء لها رب دفع إليه ثمنها)[25]. وماذا عسانا أن نقول في زماننا هذا الذي صارت فيه ضوال الإبل تهدد أرواح البشر في الطرقات؟! إن إمساكها هو الوجه المعتبر في هذا الوقت حفاظاً على أرواح الناس وممتلكاتهم، وهو التطبيق الصحيح للسنة النبوية.

أما مدة تعريف اللقطة؛ فجاءت الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم بتحديد السنة والسنتين، ولا يخفى على المتأمل أن البعد الاجتماعي متداخل في هذه القضية مع الجوانب التشريعية، فتحديد مدة التعريف يرتبط أساساً بطبيعة وسائط النقل والاتصال اللازمة للتعريف، ونعرف أن تلك الوسائط تتطور بفعل حركة الحياة، وقد انتبه الفقهاء المحققون باستمرار لهذه الظاهرة؛ فأبو المؤثر الصلت بن خميس الخروصي يقول بأن اللقطة (تُعرَّف على قدرها)[26] وأبو سعيد الكدمي يرى أن (ما قيمته ثلاثة دراهم فصاعداً عُرِّف سنة، والدرهمان شهرين، والدرهم شهراً)[27].

المثال الثاني:

٦٦ / ١١٧