صلة الاجتهاد بالفكر العقدي والسياسي عند الإباضية مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

صلة الاجتهاد بالفكر العقدي والسياسي عند الإباضية لمصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ١

صلة الاجتهاد بالفكر العقدي والسياسي عند الإباضي … د. مصطفى باجو

تمهيد:

تميَّزت شريعة الإسلام بكونها عامَّة للناس خالدة إلى يوم الدين، ولكنَّ نصوصها وردت معدودة، وحوادث الناس لا تكاد تنقضي. وهنا تتجلَّى ضرورة الاجتهاد لضمان تنزيل أحكام الشرع على كلِّ الوقائع، فلا تندُّ حادثة عن حكم الله.

وممارسة الاجتهاد مما امتازت به أمَّة الإسلام، واختصَّت به دون سائر الأمم. وهو تشريف لعقولها ولعلمائها، وتجسيد فعليٌّ لخلودها وشمولها.

ويصرِّح ابن بركة أنَّ «الحادثة إذا حدثت لا تخلو من حكم الله فيها، إمَّا أن يكون منصوصا عليها بأخصِّ أسمائها، أو يكون منصوصا عليها في الجملة مع غيرها»[1].

وبواسطة عملية الاجتهاد يُتوصَّل إلى معرفة الحكم الصحيح والدقيق على كلِّ حادثة بعينها. ونظرا لشمول التشريع لكلِّ الوقائع والمستجدَّات، فقد قرَّر الأصوليون أنَّ الاجتهاد عمل كاشف لحكم الله ، لا منشئ له.

وتختلف الأنظار بناء على اختلاف المناهج في اعتماد بعض القواعد الأصولية، أو الترتيب بينها. وكان ذلك شأنَ الصحابة والمجتهدين من بعدهم، إذ كان اختلافهم نتيجة لتباين الرؤى في اعتماد قواعد الاجتهاد.

وقد أُفردت مباحث مستقلَّة في ذلك عُرفت بأسباب اختلاف الفقهاء. وأشار ابن بركة إلى بعضها، إذ عزاها بعضٌ إلى الاختلاف في استخراج الحكم بالدليل المستنبط به، وقال قوم كان الاختلاف من طريق القياس والاجتهاد[2].

كما يقع الاختلاف في نفس المنصوص، إذ يقول ناس بالعموم، ويقول آخرون بالخصوص. ويرى بعض أنَّ الأمر للوجوب، ويراه آخرون للندب. ويعمدون عند فقدان النصِّ إلى التعليل. فتتوزَّعهم منازع العلل، وتتباين المقاييس[3].

١ / ١٧